محمود محمود الغراب
23
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
خرّجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان ، وفي حديث عنه صلى اللّه عليه وسلم « اللّه أولى من تجمّل له » وأضاف اللّه الزينة إلى اللّه وأمرنا أن نتزين له ، فقال : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يريد وقت مناجاته ، وهي قرة عين محمد صلى اللّه عليه وسلم وكل مؤمن ، لما فيها من الشهود ، فإن اللّه في قبلة المصلي ، ولا شك أن الجمال محبوب لذاته ، فإذا انضاف إليه جمال الزينة ، فهو جمال على جمال ، كنور على نور ، فتكون محبة على محبة ، فقال صلى اللّه عليه وسلم للرجل الذي سأله : إذ وقد أخبرت عن نفسك أنك تحب الجمال ، وإن اللّه يحب الجمال ، فإذا تجملت لربك أحبك ، وما تتجمل له إلا باتباعي ، فاتباعي زينتك ؛ هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم ، قال اللّه تعالى : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أي تزينوا بزينتي يحببكم اللّه ، فإن اللّه يحب الجمال ، فتزيّن تارة بنعتك من ذلة وافتقار ، وخشوع وخضوع ، وسجود وركوع ، وتارة بنعته عز وجل من كرم ولطف ورأفة ، وتجاوز وعفو وصفح ، ومغفرة وغير ذلك ، مما هو للّه من زينة اللّه التي ما حرمها اللّه على عباده ، فإذا كنت بهذه المثابة أحبك اللّه ، لما جملك به من هذه النعوت ، وهو الحب الذي ما فيه منة ، لأن الجمال استدعاه ، فتجمّل إن أردت أن ترتفع عنك منة اللّه من هذا الوجه الخاص ، ويكفيك حكم الامتنان بما وفقت إليه من التجمل بزينة اللّه ، فإن ذلك إنما كان برحمة اللّه ، ومن هنا نقول : للأحبة منزل في المحبة ، فحبيب جنيب ، وحبيب قريب ، فالمحب إذا كان ذا جنابة فما هو من القرابة ، وإذا لم يكن جنيبا كان قريبا ، قرب الحبيب بالاشتراك في الصفة ، وجنابته في عدم الاشتراك فيها كما أعطت المعرفة ، تقرب إلي بما ليس لي ، لما طلب القرب الولي ، والذي ليس له الذلة والافتقار ، فهو الغني العزيز الجبار . ( ف ح 2 / 341 - ح 4 / 269 ) واعلم أن للّه محبتين أو تعلقين ، محبته لعباده الذي هو خصوص إرادة ، التعلق الأول حبه إياهم ابتداء ، بذلك الحب وفقهم للاتباع ، اتباع رسله سلام اللّه على جميعهم ، ثم انتج لهم ذلك الاتباع تعلقين من المحبة ، لأن الاتباع وقع من طريقين : من جهة أداء الفرائض ، والتعلق الآخر من جهة ملازمة النوافل ، قال صلى اللّه عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال الحديث وفيه : « وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ من أداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا » وإذا كان الحق سمع العبد وقواه في النوافل ، فكيف بالحب الذي يكون من الحق له بأداء الفرائض ؟