محمود محمود الغراب
179
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
هل كفر به أم لم يكفر ، ولا يصدق في دعواه أنه سمع ، فإنه لا يغنيه سماع الأذن من اللّه شيئا ، والمجالسة والاستماع ينتجان عن المحبة ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « المرء مع من أحب » وفي هذا سر صوفي ، يريد صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، في الدنيا بالطاعة والأدب الشرعي ، وفي الآخرة بالمعاينة والقرب المشهدي ، فمن لم يتحقق بما سمع وادعى أنه عقل فدعواه كاذبة . وإذا تحقق العبد في مراعاة ما توجه عليه من التكليف في بصره ، ووقف عندما حده له الشارع ، وصرّفه في بعض ما أباحه له ، فذلك عندنا صاحب بصر على الحقيقة ، كما كان الأول صاحب سماع على الحقيقة ، وإن اللّه تعالى إذا حصل العبد من هذا الباب ، ولم يتعد الحد المشروع له في بصره ، إذا شاء يكرمه بكرامات يختص بها بهذا المقام ، وينزله منازل مختصة به ، لا ينالها أبدا إلا صاحب بصر ، منة منه سبحانه وتعالى ، والمنازل قطعا لا تحصل إلا لأهل الوصول المحققين أهل العناية ، وأما الكرامات فمن حيث هي كرامات هي لهم ، ومن حيث هي خرق عوائد قد ينالها الممكور به والمستدرج ، فإذا وقعت لك يا بني خرق عادة ، فلا تحجبنك عن نظرك في نفسك ، كيف هي مع الحد المشروع لك ؟ فإن كنت من أهل الاتباع ، وقام الوزن بين نفسك وما كلفت به ، وجريت مع الشارع بالأدب والامتثال حيث سلك ، فخذها كرامة واشكر اللّه تعالى عليها ، وادعه واسأله أن لا يجعلها حظ عملك ، وأن لا تكون من العاملين لها ، وإن رأيت نفسك حائدة عن السنن ، متعدية للحدود الظاهرة في الشرع ، فلا تنظرها كرامة في حقك ، وانظرها منبهة لك ، إن لزمت بعدها الاستقامة ، وإن لم تعقبها الاستقامة ، فانظرها مكرا واستدراجا ، فاسأل اللّه الإقالة والرجوع ، إلى الجادة والصراط المستقيم ، فإن نبهك اللّه لهذا النظر ، فهذه الكرامة التي يقال لها كرامة ، وكل خرق عادة في ظاهر الكون فأعراض زائلة . والتحقق في الباطن ، نظير التخلق في الظاهر ، فإذا لم يصح التخلق لم يكن التحقق ، والتحقق له مقامات متفاضلة ، وهو الذي أردناه بالمنازل ، وهي درجة شريفة لا تنالها أبدا ما لم تلحق ، ولا تلحق حتى تمحق ، ولا تمحق حتى تحقق ، ولا تحقق حتى تتخلّق ، ولا تتخلق حتى توفق ، ولا توفّق حتى تصحب ذا الخلق الموفق ، فإن صحبته وفقت ، وإن وفقت خلّقت ، وإن خلقت حقّقت ، وإذا حققت محقت ، وإذا محقت ألحقت ، وإن ألحقت نفضت ما بيدك من الكائنات ، وخرجت عن ملك يمينك وعن هذه الصفات . ( كتاب مواقع النجوم )