محمود محمود الغراب
159
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
والميل قبول ، وسميت الصبا قبولا ، لأن العرب لما أرادت أن تعرّف الرياح ، حتى تجعل لها اسما تذكرها بها لتعرف ، استقبلت مطلع الشمس ، فكل ريح هبت عليها من جهة مطلع الشمس استقبلته ، إذ كان وجهها إلى تلك الجهة ، فسمتها قبولا ، وما أتى إليها من الريح عن دبر في حال استقبالها ذلك ، سمته دبورا ، وهي الريح الغربية ، وما أتاها منها في هبوبها عن الجانب الأيمن ، سمته جنوبا ، وعن جانب الشمال سمته شمالا ، وكل ريح بين جهتين من هذه الجهات تهب سمتها نكباء ، من النكوب وهو العدول ، أي عدلت عن هذه الأربع الجهات . والنسيم أول هبوب الريح ، والشيء المستلذ إذا فاجأك ابتداء ، فهو ألذ من استصحابه ، مثل قوله : أحلى من الأمن عند الخائف الوجل ؛ ولهذا نعيم الجنان جديد في كل نفس ، فلذلك ما ناشد إلا النسيم لالتذاذه به ، وجعله نسيم الصبا ، لأنها ريح شرقية قبول ، فأعطته الريح من أخبارها بما جاءت به من طيبها ، ما يعطيه قبولها لو أقبلت ، ورؤيتها لو طلعت عليه ، كما تطلع الشمس ، لأن الصبا ريح شرقية ، والشروق طلوع الشمس ، والإشراق ضوء الشمس ، وقوله : « ناشدتك » أي طالبتك مقسما باللّه ، والناشد الطالب ، فهو كالمستفهم ، وهذا يدلك على قلة معرفته بمحبوبه ، حيث جعل له أمثالا ، لقوله : « من أين هذا النفس الطيب ؟ » فإنه ثمّ من له أنفاس طيبة ، فلو استفرغ في شغله بمحبوبه ، ولم ير مشهودا له سواه ، ما استفهم ، إذ كل من استفهم فقد أحضر ذلك في ذهنه ، فهذا شاعر أحضر الاشتراك في ذهنه ، فشهد على نفسه بنقصان المعرفة إن كان عارفا ، ونقصان المحبة إن كان محبا عاشقا ، فإن أراد من المحبوب كثرة وجوهه ، وتجليه في أعيان متعددة ، كالأسماء الإلهية للّه مع كونه ذاتا واحدة ، ومع هذا فله تسعة وتسعون اسما فما فوق ذلك ، فيريد في أي اسم كان لما هبت هذه الريح ؟ وهي نسمة قبول إلهي ، لطيفة الهبوب ، أورثت في القلب لطفا ورقة بهبوبها ، فاستفهم الريح لما جاءت به من الطيب المستلذ ، فقال : هل أودعت برداك عند الضحى * مكان ألقت عقدها زينب اعلم أن هذا البيت من أدل دليل على أنه ليس بمحب ، وأن هذا القول هو إلى هجاء المحبوب أقرب منه إلى الثناء والمدح ، وذلك أنه لما جاءته الريح بهذا النفس الطيب ، أضاف ذلك الطيب إلى ما حصل للمكان الذي ألقت عقدها زينب فيه ، فهو ثناء على العقد ، فإنه يريد أن عقدها كان عنبرية ، ذا طيب ، فطاب المكان بذلك العقد ، وما ذكر أن العقد إنما اكتسب الطيب