محمود محمود الغراب
146
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
المحب يحكم حبه فيه على قدر عقله : لأن عقله قيده ، فعقله قيّده ، وما خاطب تعالى إلا العقلاء ، وهم الذين تقيدوا بصفاتهم ، وميزوها عن صفات خالقهم ، فلما وقع التباين حصل التقييد ، فكان العقل ، ولهذا أدلة العقول تميز بين الحق والعبد ، والخالق المخلوق ، فمن وقف مع عقله في حال حبه ، لم يتمكن أن يقبل من سلطان الحب إلا ما يقتضيه دليله النظري ، ومن وقف مع قبول عقله لا مع نظر عقله ، فقبل من الحق ما وصف به نفسه ، تحكم فيه سلطان الحب بحسب ما قبله عقله من ذلك ، فالعقل بين النظر والقبول ، فحكم الحب في العقل الناظر والقابل ليس على السواء ، فافهم فإن هنا أسرارا . المحب اللّه - نسبة العقل إلينا نسبة العلم إليه ، فلا يكون إلا ما سبق به علمه ، كما لا يكون منا إلا قدر ما اقتضاه عقلنا ، فحكم حبه في خلقه لا يجاوز علمه ، وحكم حبنا فيه لا يجاوز عقلنا نظرا أو قبولا ، فافهم . ( ف ح 2 / 358 ) المحب مثل الدابة جرحه جبار : حكي أن خطافا راود خطافة كان يحبها في قبة لسليمان عليه السلام ، وكان سليمان في القبة ، فسمعه وهو يقول لها : لقد بلغ مني حبك أن لو قلت لي : اهدم هذه القبة على سليمان لفعلت ، فاستدعاه سليمان عليه السلام وقال له : ما هذا الذي سمعته منك ؟ فقال : يا سليمان لا تعجل عليّ ، إن للمحب لسانا لا يتكلم به إلا المحبون ، وأنا أحب هذه الأنثى فقلت ما سمعت ، والعشاق ما عليهم من سبيل ، فإنهم يتكلمون بلسان المحبة لا بلسان العلم ، فضحك سليمان ورحمه ولم يعاقبه ، فهذا جرح قد جعله جبارا ، وأهدره ولم يؤاخذه به ، كذلك المحب ، كل ما أعطاه إدلال الحب وصدق المودة من الخلل في ظاهر الأمر ، لا يؤاخذ به المحب ، فإن ذلك حكم الحب ، والحب مزيل للعقل ، وما يؤاخذ اللّه إلا العقلاء لا المحبين ، فإنهم في أسره وتحت حكم سلطان الحب ، البهيمة لا تقصد ضرر العباد ولا تعقل ، فجرحها جبار ، المحب محكوم عليه ، فغيره هو القاتل ، فجرحه جبار . المحب اللّه - جرحه جبار وهو الصادق ، وتوعد على الخطيئة بما توعد به ، ثم عفا ولم يؤاخذ من غير توبة من العاصي ، بل امتنانا منه وفضلا ، فأهدر ما كان له أن يأخذ به ، كان