محمود محمود الغراب

142

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

الحق ، كان الخارج من ذلك واحد الحق ، فهذا معنى كله لمحبوبه ، وهو واحد المجموع ، لأن المجموع له أحدية ، وعلى هذا يخرج . إذا كان المحب اللّه - فالكل في حق اللّه مع أحديته ، إنما ذلك الأسماء الإلهية وهي التسعة والتسعون ، فظهرت الكثرة في الأسماء ، فصح اسم الكل ، وآحاد هذا الكل عين كل اسم على حده ، يطلب من العبد ذلك الاسم حقيقة واحدة ، يظهر سلطانه فيها ، ولا تكون إلا واحدة ، فنضرب الواحد في الواحد ، فيظهر في الشاهد واحد العبد ، وهو المحبوب ، فكله للّه ، لأن الأسماء كلها تظهر أحكامها في العبد ، والأسماء للّه ، فالكل للعبد المحبوب عند اللّه ، فما في الحضرة الإلهية شيء إلا للعبد المحبوب ، فإن اللّه بذاته غني عن العالمين ، فهو غني عن الكثرة وعن الدلالة عليه . ( ف ح 2 / 356 ) المحب يعتب نفسه بنفسه في حق محبوبه : وذلك أن المحب يرى أنه يعجز عما لمحبوبه عليه من الحقوق ، التي أوجبها حبه عليه ، ولا علم له بطريق الإحاطة بمحاب محبوبه ، فيجهد في أنه يعمل بقدر ما علم من ذلك ، ثم يقول لنفسه : لو صدقت في حبك لكشف لك عن جميع محابه ، فإنك في دار التكليف وهي دار محصورة ، ومحاب الحبيب فيها معينة ، بخلاف الآخرة فإنك مسرّح العين فيها ، لأنها كلها محابه ، فلا عتاب هناك ، فلهذا عتب المحب هنا نفسه بنفسه في حق محبوبه . المحب اللّه - وصف نفسه بالتردد في حق حبه للعبد المؤمن ، إذ من حق المحبوب أن لا يعمل له المحب ما يكرهه ، والمحبوب يكره الموت ، والحق يكره مساءته ، من حيث ما هو محبوب له ، فهذا معنى العتب ، ولا بد له من الموت لما سبق من العلم ، ولكن لجهل العبد بما له في اللقاء من الخير ، بخلاف المحبين ، فإنهم يحبون الموت لا للراحة ، بل للالتقاء مع المحبوب ، ومن المحبين من يغلب عليه رضى المحبوب ، ويرى أنه لا يحصل ذلك على حالة يعرف بها قدر حب المحب إلا بوجود التحجير ، وتميز ما يرضي مما يسخط ، ولا يكون ذلك إلا في دار التكليف ، وأما في الآخرة فلا تحجير ، فيقع التساوي ، فيرتفع تميز قدر المحب في تصرفه من غير المحب فيكره بعض المحبين الموت لهذا المعنى ، وهذا لصدقهم في المحبة . المحب اللّه أيضا - في هذه الحقيقة وقد قضى بالموت على الجميع ، وكان غرض هذه الطائفة المخصوصة - التي تريد التمييز - أن لا يرتفع عنها التحجير ، ليعلم قدر محبتها لسيدها على