محمود محمود الغراب

136

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

المحب خارج عن نفسه بالكلية : اعلم أن نفس الشخص الذي يتميز به عن كثير من المخلوقات إنما هو إرادته ، فإذا ترك إرادته لما يريد به محبوبه ، فقد خرج عن نفسه بالكلية ، فلا تصرف له ، فإذا أراد به محبوبه أمرا ما ، وعلم هذا المحب ما يريده محبوبه منه أو به ، سارع أو تهيأ لقبول ذلك ، ورأى أن ذلك التهيؤ والمسارعة من سلطنة الحب الذي تحكّم فيه ، فلم ير المحبوب في محبه من ينازعه فيما يريده به أو منه ، لأنه خرج له عن نفسه بالكلية ، فلا إرادة له معه ، ولكن مع وجود نفسه وطلبه الاتصال به ، وإن لم يكن كذلك ، فهو في مرتبة الجماد الذي لا إرادة له ، فما له لذة إلا اللذة التي متعلقها التذاذ محبوبه بما يراه منه في قبوله . المحب اللّه - أوحى إلى موسى : يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك . يعني الدنيا والآخرة ، لأنه العين المقصودة « 1 » ، وهو رأس الأحباء محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فالكل في تسخير هذه النشأة الإنسانية ، الأفلاك وما تحتوي عليه ، والكواكب وما في سيرها ، هذا في الدنيا ، وأما في الآخرة ، فما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، حتى نهاية الأمر ، وهو التجلي الإلهي يوم الزور الأعظم ، فهذا معنى خروج المحب عن نفسه بالكلية في كل ما يمكن أن يحتاج إليه المحبوب ، وما لا حاجة للمحبوب به ولا يعود عليه منه لذة وابتهاج ، فلا يدخل تحت هذا الباب . ( ف ح 2 / 354 ) المحب لا يطلب الدية في قتله : لأنا وصفناه أولا بأنه مقتول ، قتل المحب شهادة ، فقتله حياته ، والحي لا دية فيه ، إنما يودى القتيل الذي يموت ، فله شرعت الدية . للّه قوم وجود الحق عينهم * هم الأحياء إن عاشوا وإن ماتوا هم الأعزاء لا يدرون أنهم * هم ولا ما هم إلا إذا ماتوا للّه درهم من سادة سلفوا * وخلفونا على الآثار إذ ماتوا لا يأخذ القوم نوم لا ولا سنة * ولا يؤدهم حفظ ولو ماتوا رأيتهم وسواد الليل يسترهم * عن العيون قياما كلما ماتوا

--> ( 1 ) أي هو صلى اللّه عليه وسلم المقصود بقوله تعالى : يا ابن آدم .