محمود محمود الغراب
134
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
المحب خائف من ترك الحرمة في إقامة الخدمة : وذلك أنه لا يخاف من هذا إلا عارف متوسط ، لم يبلغ التحقيق في المعرفة ، إلا أنه يشعر به من غير ذوق سوى ذوق الشعور ، وهو محب ، والمحب مطيع لمحبوبه في جميع أوامره ، وتحقيق الأمر يعطي أن الآمر عين المأمور ، والمحب عين المحبوب « 1 » ، إلا أن الظاهر يظهر بحسب ما تعطيه حقيقة المظهر ، وبالمظاهر تظهر التنوعات في الظاهر ، وتختلف الأحكام والأسامي ، وبها يظهر الطائع والعاصي ، فالذي هو في مقام الشعور ، ولم يحصل في حد أن ينزل الأشياء منازلها في الظاهر ، يخاف أن يصدر منه ما يناقض الحرمة في خدمته ، إذ يقول : ليس إلا هو ، كما يذهب إلى ذلك من يرى الأعيان عينا واحدة ، ولكن لا يعرف كيف ؟ فلا يزال يسيء الأدب ، لأنه أخذ ذلك عن غير ذوق ، فيخاف المحب إن صدرت منه قلة حرمة بهفوة وغلط ، أن يستند فيها بعد وقوعها إلى ما ذكرناه ، فيحصل في قلة المبالاة بما يظهر عليه من ذلك ، والمحبة تأبى إلا حرمة المحبوب ، وإن كان المحب مدلا بحبه لغلبة الحب عليه ، وأنه يرى نفسه عين محبوبه فيقول : أنا من أهوى ومن أهوى أنا ؛ فهذا سبب خوفه لا غير . ( ف ح 2 / 352 ) إسناد بعض النعوت إلى حقائقها الإلهية المحب يستقل الكثير من نفسه في حق ربه ويستكثر القليل من حبيبه : وذلك أنه يفرق بين كونه محبا ، لما يرى في نفسه من الانكسار والدلة والدهش والحيرة ، التي هي أثر الحب في المحبين ، ويرى نخوة المحبوب وتيهه ورياسته وإعجابه عليه ، فيرى أنه إذا أعطاه جميع ما يملكه فهو قليل ، لما أعطاه من نفسه ، وأن حق محبوبه أعظم عنده من حق نفسه ، بل لا يرى لنفسه حقا ، وإن كان في الحقيقة ما يسعى إلا في حق نفسه ، هكذا تعطيه المحبة ، كان لبعض الملوك مملوك يحبه اسمه إياس ، فدخل على الملك بعض جلسائه ، ورأى قدمي المملوك في حجر الملك ، والملك يكبسهما ، فتعجب ، فقال إياس : يا هذا ما هذه أقدام إياس ، هذه قلب الملك في حجره يكبسه ؛ هذا معنى قولنا : إن المحب
--> ( 1 ) راجع كتابنا : في شرح كلمات الصوفية « هو الظاهر في المظاهر » ص ( 340 ) .