محمود محمود الغراب
131
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
الإلهية ، مع بقاء طلب الرحلة بالكلية ، فأكثر نفوس العارفين تطلب التجرد من هذا الهيكل ، والالتحاق بعالمها البسيط بالموت ، لتلحق بالأرواح العلى ومن سبقتها من أرواح الأنبياء ، للتفسّح في المجلى الأبهى ، ولكن عند المحققين إنما تطلب التجرد عن هذا الهيكل حالا وفناء ، لا انفصال علاقة ، لما لها بوجوده من المزيد فيما هي بسبيله ، فهي متحققة أن الأجل المحتوم ما حان ، ولا يقع الانفصال قبل الأوان ، ولهذا ما طلب الرسول صلى اللّه عليه وسلم الرحلة إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن خيّر ، وقد علم صلى اللّه عليه وسلم أنه لا يخير إلا بانقضاء الأجل . ( ف ح 2 / 351 - ذخائر الأعلاق ) المحب متبرم بصحبة ما يحول بينه وبين لقاء محبوبه : هذا النعت أعم من الأول في المحب ، فإن العارف ما يحول بينه وبين لقاء محبوبه إلا العدم ، وما هو ثمّ ، وليس الوجود سواه ، فهو شاهده في كل عين تراه ، فليس بين المحب والمحبوب إلا حجاب الخلق ، فيعلم أن ثمّ خالقا ومخلوقا ، فلم يقدر على رفع صحبة هذه الحقيقة فإنها عينه ، والشيء لا يرتفع عن نفسه ، ونفسه تحول بينه وبين لقاء محبوبه ، فهو متبرم بنفسه لكونه مخلوقا ، وصحبته لنفسه ذاتية لا ترتفع أبدا ، فلا يزال متبرما أبدا ، فلهذا يتبرم ، لأنه يتخيل أنه إذا فارق هذا الهيكل فارق التركيب ، فيرجع بسيطا لا ثاني له ، فينفرد بأحديته ، فيضربها في أحدية الحق وهو اللقاء ، فيكون الحق الخارج بعد الضرب لا هو ، فهذا يجعله يتبرم ، والعارف المحب لا يتبرم من هذا ، لمعرفته بالأمر على ما هو عليه . ( ف ح 2 / 351 ) المحب كثير التأوه : وهو قوله : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ وصف الحقّ من كونه اسمه الرحمن أن له نفسا ينفس به عن عباده ، وفي ذلك النفس ظهر العالم ، ولذلك جعل تكوين العالم بقول « كن » ، والحرف مقطع الهواء ، فالهواء يولده ، ما هو هو ، لأنه لا يظهر الحرف إلا عند انقطاع الهواء ، والهواء نفس ، ولهذا الهواء في العناصر هو نفس الطبيعة ، ولهذا يقبل الحروف ، وهو ما يظهر فيه من الأصوات عند الهبوب ، والظاهر من تلك الأصوات حرف الهاء والهمزة ، وهما أقصى المخارج - مخارج الحروف - فإنهما مما يلي القلب ، وهما أول حروف الحلق ، بل حروف الصدر ، فهما أول حرف يصوره المتنفس ، وذلك هو التأوه لقربه من