محمود محمود الغراب
123
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
المحبة بالبث ، وهو تفرق هموم المحب في وجوه كثيرة ، والمحب في حكم محبوبه ، فلا تدبير له في نفسه ، وإنما هو بحكم ما يعطيه ويأمره به سلطان الحب المستولي على قلبه ، ومن ضلاله في حبه أنه يتخيل في كل شخص ، أن محبوبه حسن عنده ، وأنه يرى منه مثل ما يراه هذا المحب ، وهذا من الحيرة ، وعلى هذا جرى المثل : حسن في كل عين تود ؟ ؛ يعني عندك أيها المحب ، تتخيل أن كل من يرى محبوبك يحسن عنده كما يحسن عندك ، ومن ضلالة المحب أنه يتحير في الوجوه التي يرى أنه يحصّل محبوبه منها ، فيقول : أفعل كذا لنصل بهذا الفعل إلى محبوبي ، أو كذا وكذا ، فلا يزال يحار في أي الوجوه يشرع ، لأنه يتخيل أن وجود اللذة بمحبوبه في الحس أعظم منها في الخيال ، فيحار المحب في تحصيل الوجوه التي بها يصل من خارج ، ويسأل عن ذلك من يعرف أن عنده خبرا من هذا الشأن ، عسى يجد عنده حيلة في ذلك ، ولا سيما وقد سمع في ذلك قول القائل : « لو صح منك الهوى أرشدت للحيل » يعني فيما تصنع ، حتى تتصل بالمحبوب . ( ف ح 2 / 325 ، 338 ) المحبة تقتضي الجمع بين الضدين : يقول المحب : لو كان قلبي من نار لأحرقه * لأن أحزانه أزكى من النار الماء ينبع منها في محاجرها * يا للرجال لماء فاض من نار فإن الحب يقتضي من المحب الاتصاف بالنقيضين ، إذا اتفق أن يكون أحدهما محبوبا للمحبوب مما يكرهه المحب ، لكون الحب لا يطلبه ولا يقتضيه ، فمن أوصاف المحبة أن يجمع المحب في حبه بين الضدين ، ليصح كونه على الصورة ، لما فيه من الاختيار ، وهذا هو الفرق بين الحب الطبيعي والروحاني ، والإنسان يجمعهما وحده ، والبهائم تحب ولا تجمع بين الضدين ، بخلاف الإنسان ، وإنما جمع الإنسان في حبه بين الضدين ، لأنه على صورته ، وقد وصف نفسه بالضدين ، وصورة جمع الحب بين الضدين ، أن الحب من صفاته اللازمة له حب الاتصال بالمحبوب ، ومن صفاته اللازمة حب ما يحبه المحبوب ، فيحب المحبوب الهجر ، فإن أحب المحب الهجر ، فقد فعل ما لا تقتضيه المحبة ، فإن المحبة تطلب الاتصال ، وإن أحب الاتصال ، فقد فعل ما لا تقتضيه المحبة ، فإن المحب يحب ما يحب