محمود محمود الغراب

8

الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر

ولا تعلم شيئا منها إلا بالشهود ، فكانت الأرواح تتصور في كل صورة في العالم إلا في صورة الإنسان قبل خلق الإنسان ، فإن الأرواح وإن كان لها التصور ، فما لها القوة المصورة كما للإنسان ، فإن القوة المصورة تابعة للفكرة التي هي صفة القوة المفكرة ، فالتصور للأرواح من صفات ذات الأرواح النفسية لا المعنوية ، لا لقوة مصورة تكون لها ، إلا أنها وإن كان لها التصور ذاتيا ، فلا تتصور إلا فيما أدركته من صور العالم الطبيعي ، فجميع العالم برز من عدم إلى وجود إلا الإنسان وحده ، فإنه ظهر من وجود إلى وجود ، من وجود فرق إلى وجود جمع ، فتغير عليه الحال من افتراق إلى اجتماع ، والعالم تغير عليه الحال من عدم إلى وجود ، فبين الإنسان والعالم ما بين الوجود والعدم ، ولهذا ليس كمثل الإنسان في العالم شيء . ( ف ح 3 / 390 ) . معنى الكمال : اعلم أن العالم كله لولا الإنسان الكامل ما وجد ، وأنه بوجوده صح المقصود من العلم الحادث باللّه ، والوجود الحادث الذي هو على صورة الوجود القديم ، فإن العلم باللّه - المحدث - الذي هو على صورة العلم باللّه - القديم - لا يتمكن أن يكون إلا لمن هو في خلقه على الصورة ، وليس غير الإنسان الكامل ، ولهذا سمي كاملا ، وأنه روح العالم ، والعالم مسخّر له علوه وسفله ، وأن الإنسان الحيوان من جملة العالم المسخر له ، وأنه يشبه الإنسان الكامل في الصورة الظاهرة ، لا في الباطن من حيث الرتبة ، كما يشبه القرد الإنسان في جميع أعضائه الظاهرة ، فتأمل درجة الإنسان الحيوان من درجة الإنسان الكامل ، واعلم أنك العين المقصودة ، فما وجدت الأسباب إلا بسببك ، لتظهر أنت ، فما كانت مطلوبة لأنفسها ، فإن اللّه لّما أحب أن يعرف ، لم يمكن أن يعرفه إلا من هو على صورته ، وما أوجد اللّه على صورته أحدا إلا الإنسان الكامل ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « كمل من الرجال كثيرون ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية » يعني بالكمال معرفتهم بهم ، ومعرفتهم بهم هو عين معرفتهم بربهم ، فمن وقف على الحقائق كشفا وتعريفا إلهيا فهو الكامل الأكمل ، ومن نزل عن هذه الرتبة فهو الكامل ، وما عدا هذين فإما مؤمن أو صاحب نظر عقلي ، لا دخول لهما في الكمال ، فكيف في الأكملية ؟ ! ( ف ح 3 / 266 - ح 2 / 69 - ح 4 / 405 ) .