كامل مصطفى الشيبي

39

شرح ديوان الحلاج

وأخذ الحلّاج إلى علي بن عيسى الجراح الوزير ( ت 334 ه / 946 م ) الذي استوزر في أول سنة 301 ه / 913 م ، ليستجوبه ؛ فلم يظفر منه بطائل . ويبدو أنّ صوفيّنا تظاهر بالبلاهة والسذاجة والجهل ؛ فاكتفى الوزير - وكان حكيما عاقلا محبا للصوفية وصديقا للشبلي « 1 » - بالعبث والتشهير به ، فأمر به

--> - سنة 312 ه / 924 م ، وهي السنة التي أوقع فيها القرامطة بالحجّاج العراقيين وقتلوهم وسبوا نساءهم فووجه بقول نصر القشوري : « من الذي أسلم رجال السلطان وأصحابه إلى القرمطي سواك ! ؟ » مما حمل العامة على الوثوب على الوزير ورجم داره وصياحهم به : « يا ابن الفرات ، القرمطي الكبير ؟ ! » وقولهم عند القبض عليه : « قد قبض على القرمطي الكبير ! » ( المنتظم 6 / 188 - 189 ) . وكان ذلك من نصر القشوري ردا على ابن الفرات وانتقاما منه لا تهامه له بإخفاء رجل قبض عليه في بيت المقتدر تمهيدا لقتله ( الكامل لابن الأثير ، حوادث سنة 312 ، 8 / 47 ) فكأنه كان يتهمه بالتواطؤ مع القرامطة أيضا . وذكر ابن الجوزي ، في حوادث سنة 313 ه و 315 ه أخبار القبض على جماعة بتهمة القرمطة وقتلهم ( المنتظم 6 / 195 ، 209 ) ومن أكثر الأخبار إثارة في هذا المجال ما جاء في « استتار الإمام » في ما يتصل بظروف التمرد المذكورة على الفاطميين ، أن بني أبي محمد المذكور كانوا عازمين على التوجه إلى سلمية لإبادة العلويين فيها . وساق النيسابوري الخبر فقال : « فاتصل ذلك بدعاة بغداد ، وهم حامد بن العباس وابن عبد ربه وجماعته من الشيعة ، فكتبوا إلى المهدي ( عليه السلام ) أن بني أبي محمد قد عزموا على قتلك وقتل أهلك ؛ فإن كنت قاعدا فقم فإنهم قد زحفوا إليك وهم عازمون على قتلك . فإن لم يجدوا إلى ذلك سبيلا وشوا بك إلى أحمد بن طولون وهم يقولون : إنك مخالف للمذهب ويشهرون أمرك . . . » ( ص 96 ) ولولا بقية من تؤدة لاستعجلنا الزعم بأن المقصود بحامد بن العباس هنا خصم الحلّاج وعامل الدولة على واسط وليس ذلك كثيرا عليه ، وإن كان الأمر في حاجة إلى حجة أقوى . وفوق هذا بقيت تهمة القرمطة مستمرة مع قوة الفاطميين وشدة خطرهم على الدولة العباسية ولم تنته حتى أواخر القرن الخامس الهجري . ومن هنا ذكر أن الكيا الهراس ( علي بن محمد بن علي الطبري ، 450 - 505 ه / 1058 - 1111 م ، تلميذ أبي المعالي الجويني : عبد الملك بن عبد اللّه ، ت 478 ه / 1085 م ) الذي درس بالنظامية ووعظ وذكر مذهب الأشعري » كاد له خصومه عند العامة « فرجم وثارت الفتن واتهم بمذهب الباطنية . فأراد السلطان قتله ، فمنعه المستظهر وشهد له » ( مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي : أبي المظفر يوسف بن قرأوغلي بن عبد اللّه البغدادي ، ت 654 ه / 1256 م ، حيدر آباد ، 1951 م ، 8 : 1 / 37 . ( 1 ) ديوان أبي بكر الشبلي ، جمع وتحقيق وتقديم ، كاتب هذه السطور ، بغداد 1967 م ، ص 58 .