كامل مصطفى الشيبي
30
شرح ديوان الحلاج
وفي بغداد بشر الحلّاج بدولة الروح هذه عشر سنوات كاملات ، أنفقها جميعا في العمل السري ، وفقد خلالها مودة الصوفية من أصدقائه كالشبلي وغيره لاستعظامهم دعوته وخوفهم من غوائلها . واستقر الحلّاج في بغداد استقرار رجل له غايات بعيدة « وتغير عما كان عليه في الأوّل واقتنى العقار وبنى دارا ودعا الناس » « 1 » . وفي هذه المرحلة اتضح للحلّاج منذ اللحظة الأولى أن الدولة والنظام العباسيين حجر عثرة في طريقه وأنهما ينبغي أن يزولا « 2 » . وتحقيقا لهذا الغرض ، انقلب الحلّاج سياسيا معارضا يبحث عن حلفاء وأنصار . وسرعان ما اتصل بالعلويين على نية القيام بحركة شبيهة بحركة الزنج المدمرة ، التي عاصرها في صباه وشبابه ، لتأسيس دولة مثل دولة الزيديين في طبرستان التي رآها رأي العين في أسفاره . وهكذا روي أن الحلّاج قصد إلى الكوفة للتشاور مع أبي الحسن العلوي الذي كان ميالا إلى الصوفية وصديقا ومريدا لأبي علي الخواص ( ت 291 ه / 903 - 4 م ) . وتم الاجتماع بحضور الخواص نفسه « 3 » . ويبدو أن هذا العلوي لم يكن مستعدا لهذه المغامرة ؛ ومن هنا اتجه الحلّاج إلى علوي آخر أكثر ثورية وأميل إلى المغامرة ؛ وأكثر تقبلا لآرائه هو أبو عمارة محمد بن عبد اللّه الهاشمي الذي يبدو أن اشتراكه مع الحلّاج في كنية واحدة هي « أبو عمارة » « 4 » ، كان يعني شيئا يتجاوز المصادفة إلى الوحدة الروحية
--> - القرآن وغيره ( ت 218 أو 219 ه / 833 أو 834 م ) : « لا تنتهي حتى تصعد خشبة ، وكأني بك قد شغلت على الناس خشبة باب الجسر ، فاحذر » ( انظر : تاريخ بغداد 7 / 63 ، 66 ) . ( 1 ) أربعة نصوص ، نص ابن باكويه ، ص 28 ، تاريخ بغداد 8 / 113 . ( 2 ) في هذا المعنى قال ابن النديم : « وكان جاهلا مقداما مدهورا ( لعلها مزهوا ) جسورا على السلاطين مرتكبا للعظائم يروم انقلاب الدول . . . » ( ص 283 ) . ( 3 ) انظر الفكر الشيعي لنا ، ص 69 . ( 4 ) انظر تكنية الحلّاج بابي عمارة في كتاب الطواسين ( ص 69 ) بافتتاحه بعبارة : « قال العالم الغريب أبو عمارة الحسين بن منصور الحلّاج . . . » وكذا في كتاب « تقييد بعض الحكم والأشعار » لمجهول ، الذي أعقب ذلك بوصفه بأنه « مختصر من كلام السيد أبو ( كذا ) عمارة الحسين بن منصور الحلّاج » مخطوط المتحف البريطاني رقم 9692 . Add .