كامل مصطفى الشيبي

111

شرح ديوان الحلاج

أن الحلّاج كان قدوة ونموذجا للزهاوي نفسه في هذا المجال باعتباره رجلا بدأ فقيها متدينا ثم صار متكلما عقلانيا وتطوّر إلى صوفيّ روحانيّ واستقر أخيرا على قاعدة فلسفية بحتة تعلن الثورة على رتابة القوانين الطبيعية وصرامة القضاء والقدر وضيق الحرية الإنسانية . وقد نفّس الزهاوي عن أفكاره هذه بطريقة غير مباشرة بترجمته لرباعيات الخيام نثرا وشعرا سنة 1928 م وبنظمه لرباعياته الخاصة بعد ذلك بقليل ، وكان الوقت وقت اهتمام عالمي بالخيام . لكن الزهاوي وحده خرج عن حصار الخيام إلى رحاب التفكير الفلسفي الحرّ بحيث سبق أمين أولكن التركي وسائر العرب إلى الإلمام بالحلّاج وغيره من الثائرين العقليين الأحرار في تاريخ الإسلام بقصيدة قصصية طويلة تذكّر برسالة الغفران سمّاها « ثورة في الجحيم » وختم بها ديوانه الأخير « الأوشال » الذي طبعه سنة 1934 م . وفي الأوشال قال الزهاوي في الحلّاج في فقرة عنوانها : « منصور الحلّاج في الجحيم يخاطب اللّه ويعاتبه » : ورأيت الحلّاج يرفع منه الطر * ف نحو السماء وهو حسير قائلا : أنت اللّه وحدك قيّو * ما وأما الأكوان فهي تبور أنت من حيث الذات لست كثيرا * غير أن التجليات ( فهي ) كثير إنّك الواحد الذي أنا منه * في حياتي شرارة تستطير وبه لي بعد الظهور خفاء * وله بي بعد الخفاء ظهور لم شئت العذاب لي ولماذا * لم تجرني منه وأنت المجير ؟ كان في الدنيا القتل منهم نصيبي * ونصيبي اليوم العذاب العسير قلت : إنّ المقدور لا بد منه * أو حتى إن أخطأ المقدور ؟ ! « 1 » . وإذا فهمنا من هيكل المسرحية أنّها مجموعة مواقف يردّدها مجموعة من الأشخاص كانت « ثورة في الجحيم » للزهاوي أوّل مسرحية ثقافية فلسفية

--> ( 1 ) انظر أيضا ديوان جميل صدقي الزهاوي ، جمع وتقديم عبد الرزاق الهلالي ، المجلد الأول ، دار العودة ، بيروت 1972 ، ص 734 .