مجموعة مؤلفين

65

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

هذا إذا نظرنا مع ابن عربى إلى آثار للنور المحمدي بصفة عامة ، ومن حيث إن هذا النور المحمدي مبدأ أول لوجود كل شئ من جميع الكائنات ، ولشهود كل إنسان في جميع الطبقات ، بحيث لا يخرج عن دائرته لطيف أو كثيف على أي وجه كان هذا اللطيف أو الكثيف . أما إذا نظرنا معه إلى التفصيلات ، واستطردنا معه إلى استيعاب المدى الذي يتناوله ما صدر عن هذا النور المحمدي من أشعة وإشراقات ، فسنجد له حديثا عجبا ، عجبا في روائع كنوزه ، المطوية في بدائع رموزه ، وإنه ليفصل القول هنا تفصيلا أخاذا ، بقدر ما أجمله هناك إجمالا فتانا ، حتى إنه في هذا التفصيل الأخاذ لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ألم بها ، وأشار إليها ، وبلغ غاية الإبداع منها . ولعلى لو استطردت معه في هذا المقام لأخذتنى النشوة ، ولخرجت معه عن حدود الصحوة ، ولتجاوزت حدود القصد والاعتدال فيما ينبغي أن التزمه من قواعد البحث في هذا المجال ؛ ولكن حسبك وحسبي أن نلم معا إلماما موجزا برءوس الموضوعات التي عرض لها الشيخ الأكبر ، وصاغ التعبير عنها هذه الصياغة التي لا يكاد يقف عندها من كان له قلب وذوق إلا ملكته واسترقته نشوة الإعجاب بها ، ومتعة التذوق لها : أما ما هي رؤوس هذه الموضوعات التي تتصل من قريب أو من بعيد بآثار النور المحمدي في الأكوان وتكوينها ، فإنها تتمثل أوضح ما تتمثل عند الشيخ الأكبر في أن العالم عالمان : عالم الملك ، وعالم الملكوت ، وفي الموت والبعث ، وفي أصناف الخلق وأنهم ثلاثة ، وفي الملأ الأعلى ومكانه من شجرة الكون ، وفي آدم وإبليس ، وفي حكمة خلق محمد صلى اللّه عليه وسلم من لطيف وكثيف ، وفي المقامات المحمدية ، وفي جبريل والأوصاف المحمدية ، وفي المراكب المحمدية في طريقها إلى الذات العلية ، وأن هذه المراكب ستة هي : البراق مركب أول ، والمعراج مركب ثان ، وأجنحة الملائكة مركب ثالث ، وجناح جبريل مركب رابع ، والرفرف مركب خامس ، والتأييد مركب سادس . فكل أولئك كنوز من لؤلؤ ومرجان ،