مجموعة مؤلفين
62
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
له يقصدونها ، ولا كيفية له يعرفونها . فلو لم يكن العرش جهة يتوجهون إليه للقيام بخدمته ، ولأداء طاعته لضلوا في ، طلبهم فهو سبحانه وتعالى إنما أوجد العرش إظهارا لقدرته ، لا محلا لذاته ، وأوجد الوجود لا لحاجة له به ، وإنما هو إظهار لأسمائه وصفاته : فإن من أسمائه الغفور ، ومن صفاته المغفرة ، ومن أسمائه الرحيم ، ومن صفاته الرحمة ، ومن أسمائه الكريم ، ومن صفاته الكرم ؛ فاختلفت أغصان هذه الشجرة ، وتنوعت ثمارها ، ليظهر سر مغفرته للمذنب ورحمتة للمحسن ، وفضله للطائع ، وعدله للعاصي ، ونعمته للمؤمن ، ونقمته على الكافر ، فهو مقدس في وجوده عن ملامسة ما أوجده ، ومجانبته ، ومواصلته ومفاصلته ، لأنه كان ولا كون ، وهو الآن كما كان ، لا يتصل بكون ، ولا ينفصل عن كون : لأن الوصل والفصل من صفات الحدوث ، لا من صفات القدم ، لأن الاتصال والانفصال يلزم منه الانتقال والارتحال ، ويلزم من الانتقال والارتحال التحول والزوال ، والتغيير والاستبدال ، هذا كله من صفات النقص لا من صفات الكمال ، فسبحانه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا . . . » ( شجرة الكون ص 4 - 5 ) وهكذا كان حديث ابن عربى عن الذات العلية ، وحقيقة الألوهية حديثا رمزيا رائعا بارعا ، ليس من شك في أن ألفاظه وعباراته ليست في حاجة إلى أن يشار إلى مواطن الروعة - والبراعة فيها ، وقرائن المناسبة والنسبة بينها . أمّا كيف كان حديثه عن الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي على طريقته الرمزية النباتية تلك ، فذلك ما نتبينه معه من خلال شجرته الكونية ، وذلك على الوجه الذي يظهرنا على أن اللّه عزّ وجل قد « عمد حوالي هذه الشجرة إلى أصل حبة كن ، فاعتصر صفوة عنصرها - ومخضها حتى بدت زبدتها ، ثم صفاها بمصفاة الصفوة حتى زال وخمها ، ثم ألقى عليها من نور هدايته حتى ظهر جوهرها ، ثم غمسها في بحر الرحمة حتى عمت بركتها ، ثم خلق منها نور نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ثم زين