مجموعة مؤلفين

60

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

الكون كله شجرة ، وأصل نورها من حبة « كن » ؛ قد لقحت كاف الكونية بلقاح حبة « نحن خلقناكم » فانعقد من ذلك البزر ثمرة « إنا كل شئ خلقناه بقدر » ، وظهر من هذا غصنان مختلفان ، أصلهما واحد وهو الإرادة وفرعها القدرة ، فظهر عن جوهر الكاف معنيان مختلفان : كاف الكمالية « اليوم أكملت لكم دينكم » ، وكاف الكفرية « فمنهم من آمن ومنهم من كفر » . وظهر جوهر النون . نون النكرة ، ونور المعرفة . فلما أبرزهم من العدم على حكم مراد القدم ، ورش عليهم من نوره ؛ فأمّا من أصابه ذلك النور فحدق إلى تمثال شجرة الكون المستخرجة من حبة « كن » ، فلاح له في سر كافها تمثال « كنتم خير أمة » ، واتضح له في شرح نونها « أفمن شرح اللّه صدره للإسلام فهو على نور من ربه » ، وأمّا من أخطأه ذلك النور فطولب بكشف المعنى المقصود من حرف كن فإنه غلط في هجائه ، وخاب في رجائه ؛ فنظر إلى مثال كن فظن أنها كاف كفرية بنون نكرة ، فكان من الكافرين . وكان حظ كل مخلوق من كلمة كن ما علم من هجاء حروفها ، وما شهد من سرائر خفائها ، دليله قوله ( ص ) إن اللّه خلق خلقه في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره ، فمن أصابه ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ذلك النور ضل وغوى . . » ( شجرة الكون ص 2 - 3 ) إلى أن يقول : - « فلما كانت هذه الحبة بذر شجرة الكون ، وبزر ثمرتها ، ومعنى صورتها ، أحببت أن أجعل للمكون مثالا ، وللموجود تمثالا ، ولما ينتج منه من الأقوال والأفعال والأحوال منوالا ، فمثلت شجرة نبتت عن أصل حبة كن ، وكل ما يحدث في الكون من الحوادث كالنقص والزيادة ، والغيب والشهادة ، والكفر والإيمان ، وما يثمر من الأعمال وزكاة الأحوال ، وما يظهر من أزاهير القول ، والتوق والذوق ، ولطائف المعارف ،