مجموعة مؤلفين
56
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
من شؤون العالم السفلى في أي شئ - إنما هي أصلح وأصدق أدوات الوصول إلى المعارف العليا . ولا يقف ابن عربى في نظريته في المعرفة عند هذا الحد ، وإنما هو يتجاوزه إلى مقامات العارفين التي يرتبها ترتيبا تنازليا بحسب ما يتاح لكل منهم من معرفة : فهناك صديق يشهده اللّه على البحر المحيط ، وهو البحر الكلى من بحار المعرفة ، من دون البحار الأربعة الأخرى ، وهي جزئية بالقياس إلى ذلك البحر الكلى ؛ وهناك شهيد يشاهد البحر المحيط لأول وهلة ؛ وهناك صاحب دليل يشاهد مشاهدة تتدرج فيها معرفته بين الأنهار التي معرفتها معرفة جزئية ، وبين البحار التي معرفتها معرفة كلية ؛ وهناك بعد هذا كله صاحب آفات ، وهو هذا الذي يضطرب في معرفته بين البحار الكلية من ناحية ، وبين الأنهار الجزئية من ناحية أخرى ، وبين البحر المحيط من ناحية ثالثة ، ولكنه ظافر في منتهى مضطربه بالنجاة . على أن أعلى مرتبة من مراتب العرفان عند ابن عربى ، هي تلك التي يطلق عليها اسم « مرتبة أهل العناية » ، ومن كان من أهل هذه العناية فهو هذا الذي يخصه اللّه ، فإذا هو ينشئ له مركبا يجرى به في الأنهار حتى يقطعها ، ثم يسلمه إلى البحار حتى ينتهى إلى البحر المحيط الذي إذا انتهى إليه فقد تحقق بمعرفة الحقائق ومكاشفة الأسرار ، وإلى هذا البحر ينتهى المقربون . وفضلا عن هذا كله ، فإن ابن عربى يصنف طبقات أهل المعرفة تصنيفا يبلغ بعدتهم عنده إلى أصناف سبعة هي : مؤمن مصدق منصرف ، وعالم مقر بعد قيام البرهان معترف ، وجاهل ناظر منحرف ، وشاك متحير متوقف ، وظان متخيل ما عرف ، وناظر متطلع متشوف ، ومقلد مع كل صنف متصرف . وهكذا نرى أن ابن عربى فيما قدم من كنوزه العرفانية في رموزه النهرية والبحرية ، لم يغادر