مجموعة مؤلفين

26

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وعميق فهمهم لإشارات كتاب « الفصوص » أكبر الأثر في إذاعة مذهب ابن عربى وتقريبه من أذهان الدارسين . ولكن هؤلاء - وإن امتازوا بالإخلاص التام لروح مذهب المؤلف ، وألقوا فيضا من الضوء على معمياته - لم يخرجوا عن مجال الشرح إلى مجال التأليف المبتكر في مذهب وحدة الوجود ؛ وإن كان لبعضهم - كالقاشانى والقيصري - نظرات فاحصة عميقة في كشف أسرار هذا المذهب . والطائفة الثانية هي طائفة الصوفية الذين كتبوا في وحدة الوجود وما يتصل بها من نظريات ، متأثرين خطوات ابن عربى ، مفصلين لبعض جوانب مذهبه ، واصلين بها إلى آفاق جديدة بعيدة قضى بها منطق هذا المذهب . وأشهر هؤلاء على الإطلاق ، وأدناهم إلى الأصالة والابتكار عبد الكريم الجيلى ( أو الجيلاني ) المتوفى سنة 811 ه ، صاحب كتاب « الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل » . ولذلك سأختصه في هذا المقال بشئ من تفصيل بعض المعالم الرئيسية في مذهبه ، لأوضح مدى تأثره بأفكار ابن عربى ومصطلحاته ومنهجه التأليفى . 11 - ففي هذا الكتاب يعالج الجيلى مشكلة الوجود ، ويحدد المصطلحات الفلسفية والصوفية التي يستعيرها من ابن عربى تحديدا يجعله أقرب إلى الأخذ بالمنهج العلمي من أستاذه ، وينتهى إلى أن الحقيقة الوجودية واحدة في جوهرها ، وأنها شئ عقلي يصوره الجيلى على نحو ما صور المثاليون الألمان - وبخاصة هيجل - طبيعة الوجود . والفرق بين الجيلى وهيجل هو أن هيجل يقول بوحدة الوجود والفكر ، بينما يقول الجيلى بوحدة الوجود والصفات التي يتصف بها . وهو يقصد بالصفات هنا الصفات التي توصف بها الذات الإلهية ، أو الصفات التي وصف بها الحق نفسه ، وهذه الصفات في نظره - كما هي في نظر ابن عربى - عين الموجودات الخارجية التي نطلق عليها اسم العالم . يقول ابن عربى « فما وصفناه ( أي الحق ) بوصف إلا كنا نحن ( أي العالم ) ذلك الوصف » وتدور نظرية الجيلى في طبيعة الوجود على ثلاثة محاور يأخذها عن