مجموعة مؤلفين

367

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

يلتقى ابن عربى ( 1240 ) ، واسبينوزا ( 1677 ) في أكثر من جانب ، فهما فيلسوفان إلهيان ، شغلا بمشكلة الألوهية ، وعنيا بها عناية كبرى . وقفا عليها معظم جهودهما ، وأخرجا فيها أعمق ما كتبا وأجوده . ولقيا من جراء آرائهما الدينية ما لقيا من عنت واضطهاد ، فاتهما بالإلحاد والزندقة ، وهددا بالقتل ، ولم يسلما من العدوان . وهما أيضا صوفيّان يركنان إلى الخلوة والوحدة ، ويعتدان بحياة الروح ، ويدعوان إلى تطهير النفس ، ويريان في الحب الإلهى السعادة الكبرى والنعيم الأبدي ، ذلك لأن « الحب المتعلق بشئ أزلي يغدق على النفس صفاء لا كدر فيه » . وفي لغتهما وأسلوبهما تشابه وتقارب ، فهما يؤثران العمق والدقة ، ويحرصان على استعمال بعض المصطلحات لأداء معان خاصة . وقد يدل اللفظ عندهما على أكثر من معنى ، وكأنما أريد به أن يكون صالحا لمخاطبة أهل الباطن صلاحيته لمخاطبة أهل الظاهر ، أو بعبارة أخرى ملائما للخاصة ملاءمته للعامة . ومن أوضح الأمثلة على ذلك كتاب « فصوص الحكمة » لابن عربى ، وكتاب « الأخلاق » لا سبينوزا ، وليس غموض أولهما في العربية بأقل من غموض الثاني في اللاتينية ، وكثيرا ما تباين الشراح في فهمهما واستخلاص المراد منهما .