مجموعة مؤلفين

326

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

على غير طريقة الرهابين ( من المسيحيين ) ، والبراهمة ( الهنود ) والفلاسفة « 1 » . وفي هذا ما فيه من الرد على بعض المستشرقين الذين ذهبوا إلى أن صوفية الإسلام متأثرون في اصطناعهم الخلوة بالزهاد المسيحيين أو براهمة الهنود . خصوصا وأن صوفية الإسلام ينبّهون دائما إلى أنهم في اصطناعهم الخلوة يستندون إلى أساس من اعتزال النبي في غار حراء قبل نزول الوحي حتى صفت نفسه وتهيأ لنور النبوة « 2 » ، ومن هؤلاء ابن عربى . ولا بد للسالك قبل دخوله خلوته من أمرين : أولهما تصحيح عقيدته ، وثانيهما رياضة نفسه من الناحية الأخلاقية ، فيقول ابن عربى عن الأمر الأول : « فليكن عقدك عند دخولك إلى خلوتك أن اللّه ليس كمثله شئ ، فكل ما يتجلى لك من الصور في خلوتك ، ويقول لك : أنا اللّه ، فقل : سبحان اللّه ، أنت باللّه . واحفظ صورة ما رأيت واله عنها ، واشتغل بالذكر دائما . هذا عقد واحد ، والعقد الثاني ألا تطلب منه في خلوتك سواه ، ولا تتعلق الهمّة بغيره « 3 » » . وأما عن الأمر الثاني ، فيقول ابن عربى عنه للسالك : « وعليك بالرياضة قبل الخلوة ، والرياضة عبارة عن تهذيب الأخلاق وترك الرعونة وتحمل الأذى ، فإن الإنسان إذا تقدم فتحه قبل رياضته فلن يجئ منه رجل أبدا » « 4 » . وينصح ابن عربى السالك بخلوة تعرف عنده بالصمدانية ، أبان عن قواعدها في رسالة له تسمى « الخلوة الصمدانية » ، على نحو ما يقول مصطفى كمال الدين البكري ، ويذكر أن عدتها ثلاثون يوما لا نوم فيها بليل البتة ، ولا فطر فيها بنهار . وإن اتفق أن تكون في رمضان فهو أولى ،

--> ( 1 ) عوارف المعارف بهامش الإحياء ، ج 2 ، ص 274 . ( 2 ) إحياء علوم الدين ، ج 2 ، ص 203 ؛ وعوارف المعارف بهامشه ، ج 2 ، ص 256 وما بعدها . ( 3 ) رسالة الأنوار ، ص 16 - 17 . ( 4 ) رسالة الأنوار ، ص 14 - 15 .