مجموعة مؤلفين

324

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وخبرة بأحوال النفس وأمراضها وطرق علاجها . 9 - العزلة والخلوة : هناك رياضات عملية يأمر بها ابن عربى مريده السالك ، كالعزلة والخلوة . والعزلة عنده - وما تستتبعه من خلوة - هي أحد الأركان الأربعة للطريقة الأكبريّة كما مر ذكره . ويرى ابن عربى أن العزلة مجرد انقطاع معنوي لا حقيقي عن الخلق بحيث يكون السالك مراقبا لنفسه على الدوام ، ومحاذرا من أن يشغل ذهنه بالعالم ، أو يتعلق قلبه وجوارحه بالناس ، وفي ذلك يقول لمريده : « فإذا اعتزلت عن الخلق ، فاحذر من قصدهم إليك ، فإن المراد من العزلة ترك الناس ومعاشرتهم ، وليس المراد من الناس ترك صورهم ، وإنما المراد ألا يكون قلبك ولا أذنك وعاء لما يأتون من فضول الكلام ، فلا يصفو القلب من هذيان العالم » « 1 » . ويفرق ابن عربى بين نوعين من العزلة « 2 » : عزلة المريدين ، وهي بالأجسام عن مخالطة الأغيار ، وعزلة المحققين ، وهي بالقلوب عن الأكوان ، فليست قلوب المحققين محلّا لشئ سوى العلم باللّه تعالى الذي هو شاهد الحق فيها ، الحاصل من المشاهدة . ويبين لنا ابن عربى بعد ذلك أن بعض المعتزلين ينوون بعزلتهم اتقاء شر الناس ، وبعضهم الآخر ينوون بها اتقاء شرهم المتعدى إلى الغير ، ومقام هؤلاء أرفع من مقام الأولين ، لأن الأولى بالسالكين أن يسيئوا الظن بأنفسهم لا بالناس . وأعلى درجات العزلة أن يؤثر المعتزل ربه على غيره ، فإذا تمكّن من هذا المقام لم يعرف أحد ما يعطيه اللّه إياه من المواهب والأسرار « 3 » ! .

--> ( 1 ) رسالة الأنوار ، ص 15 . ( 2 ) النور المظهر ، ص 7 . ( 3 ) النور المظهر ، ص 7 .