مجموعة مؤلفين
320
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
غرض في إهلاك المريض ، فإذا وصف الطبيب الدواء - من جهة كونه عالما به ( علما نظريا لا تجريبيا ) ، وهو لا يعرف شخص الدواء ، فأعطاه العشاب ما فيه هلاك العليل ، ويقول : هذا مطلوبك ، فيسقيه الطبيب المريض ، فيهلك وإثمه في عنق الطبيب والعشاب ، فإن الطبيب كان الواجب عليه ألا يداويه إلا بما يعرف عينه وشخصه . « فكذلك الشيخ ، إذا لم يكن صاحب ذوق ، وأخذ الطريق من الكتب وأفواه الرجال ، وقعد يربى به المريد طلبا للمرتبة والرئاسة ، فإنه مهلك لمن تبعه « 1 » ، لأنه لا يعرف مورد الطالب ولا مصدره . فلا بد أن يكون عند الشيخ دين الأنبياء ، وتدبير الأطباء ، وسياسة الملوك ، وحينئذ يقال له أستاذ « 2 » » . « لهذا وجب على كل من يتصدى للمشيخة أن يعرف قدره وحقيقة حاله ، ولا يخدع نفسه . ويجب عليه إذا رأى شيخا آخر فوقه أن ينصح نفسه ، ويلزم خدمة ذلك الشيخ الآخر ، هو وتلامذته ، فإنه صلاح وسعادة في حقه وحق أصحابه ، ومتى لم يفعل ذلك فليس بمنصف وناصح نفسه ، ولا صاحب همة ، بل هو ساقط الهمة وضعيفها ، بل ربما يكون محبّا للرياسة والتقدم ، وهذا في طريق اللّه نقص . ألا ترى قوله عليه السلام : لو كان موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعى ، وعيسى ، بل كل الأنبياء تحت حكم
--> ( 1 ) من الواضح هنا أن ابن عربى غير محبذ لسلوك طريقة الصوفية بمجرد قراءة كتبهم ، وإن كان بعض الصوفية كالشاذلية قد أجازوا ذلك ( الكمشخانوى : جامع الأصول ، ص 12 ) . وقد تعرض الشعراني لهذه المسألة ونبه إلى أخطارها بالنسبة لسلوك طريقة ابن عربى قائلا : « وبعضهم يطالع في كتب الشيخ محيي الدين بن عربى ككتاب الفصوص ونحوه ، ويصير يفهم منها خلاف مراد أصحابها من الكفريات ، ثم يصير يضيف ذلك إلى الشيخ محيي الدين وغيره ، فيعتقد بعض الناس أن ذلك الذي فهمه هو مراد الشيخ محيي الدين ، فيضيفون إليه الفواحش وسوء العقيدة ، وهو رضى اللّه عنه برئ من نحو ذلك كله » لطائف المنن ، القاهرة 1311 ه ، ج 2 ص 143 ) . ( 2 ) الأمر المحكم المربوط ، ص 225 .