مجموعة مؤلفين
314
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
ومما تهم الإشارة إليه في هذا المقام ، أن ابن عربى يجعل العلم الشرعي نقطة البداية في سلوك السالك ، وفي هذا يوجه الخطاب إليه قائلا له : « فأول ما يجب عليك طلب العلم الذي تقوم به طهارتك وصلاتك وحياتك وتقواك ( يشير هنا إلى علم الفقه ) ، وما يفرض عليك طلبه خاصة ، لا تزيد على ذلك . وهو أول باب السلوك ، ثم العمل ، ثم الورع ، ثم الزهد ، ثم التوكل . ثم بعد ذلك تتوالى المقامات والأحوال والكرامات والتنزلات « 1 » » . وهو يقول أيضا عن تمسكه بالشريعة في السلوك : « فأصل رياضتنا ومجاهدتنا ، وجميع أعمالنا التي أعطتنا هذه العلوم والآثار الظاهرة علينا إنما كان من عملنا بالكتاب والسنّة . وفيضنا روحاني إلهي لكوننا سلكنا على طريقة إلهية تسمى شريعة ، فأوصلتنا إلى المشرّع ، وهو اللّه تعالى ، لأنه جعلها طريقا إليه « 2 » » . ثم إذا أخذ القلب في التوجه إلى اللّه ، كان هذا هو المعبر عنه عند ابن عربى بالسفر « 3 » ، ويبدو أنه كان يجعل السفر أعلى درجة من السلوك « فكل مسافر سالك ، وما كل سالك مسافر « 4 » » . فالسفر عند ابن عربى ليس شيئا خارجيا عن القلب ، وإنما هو مجرد معاملات وأذواق ذاتية فيه ، وهذا يذكرنا بما يقوله ابن عطاء اللّه السكندرى أيضا في حكمه : « لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ، إذ لا مسافة بينك وبينه ، حتى تطويها
--> ( 1 ) رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار ، القاهرة 1332 ه - 1914 م ، ص 13 - 14 . ( 2 ) الفتوحات المكية ، ج 2 ، ص 214 ، ولعل تمسك ابن عربى بالشريعة على هذا النحو مما جعل ابن تيمية ، وهو أشد خصومه ، يعترف له بأنه أقرب متفلسفة الصوفية إلى الإسلام ، لأنه - على حد تعبير ابن تيمية - « يقرر الأمر والشرائع ويأمر بالسلوك مما أمر به المشايخ » ( مجموعة الرسائل والمسائل ، طبعة دار المنار ، القاهرة 1349 ه ، ج 1 ص 176 ) . ( 3 ) ابن عربى : اصطلاحات الصوفية الواردة في الفتوحات المكية ، بآخر تعريفات الجرجاني ، مادة « السفر » . ( 4 ) الفتوحات المكية ، ج 2 ، ص 502 .