مجموعة مؤلفين
262
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
وذلك أنه ما عبد - حيث ما عبد في كل معبود - إلّا الألوهية ورتب اللّه تكوين الأسباب عندها غيرة أن يكون جناب الألوهية مستهضما . ولذلك ذل الشريك لكونه واسطة إلى الإله ، فبعد عن نسبة الألوهية . فصاحب الشريك أكثف حجابا وأكثر عذابا : لأنه أخطأ الطريق المخصوص بنسبة الألوهية إلى من لم يؤمر بنسبتها إليه ، وأخطأ بإضافة الشريك الذي يقربه إلى اللّه زلفى . « . . . مهما تصور في قلبك وتمثل في وهمك فاللّه - تعالى ! - بخلاف ذلك » . - قال الشيخ : وهذا الكلام مقبول من وجه ، مردود من وجه . فرده من كونك أنت الذي تصوره في وهمك وتضعه بتركيبك . وأما وجه قبوله فهو أنه إذا قام عندك ابتداء ، من غير تعمل له أو تفكير فيه ، فذلك تجلّ صحيح لا يصح أن ينكر ولا يرد . « واعلم أن جميع الأكوان على علم صحيح باللّه - تعالى ! - فلا تنطبق إلا عن حقيقة ، ولا يقع فيها غلط أصلا ، ما عدا الإنسان فإنه كثير الغلط في الألوهية . - فالصور مظاهر من مظاهر الحق . - فلا يصح أن يخلو عنه كون أصلا . لأنه متى أخليت عنه الكون فقد حددته . ولا يصح أن يكون ( الحق ) عين الكون فإنه - تعالى : - قبل الكون كان ولا كون . « فإذا عرفته - سبحانه ! - من هذين الوجهين فهي معرفة الإطلاق التي لا حدّ فيها . - فلا تحجبنّك الحيرة عن الحيرة ! بحيث تقول : قد حرت فيه فلا أعرفه . بل من شرط معرفته ( - تعالى ! - ) الحيرة فيه ! فقل ما قال ، لما نفى وأثبت : « ليس كمثله شئ وهو السميع البصير » . « ثم ذهب ذو النون المصري إلى أن الترقي منقطع ( بعد الموت ) . وذلك إنما هو الترقي في درجات الجنة خاصة ، وأما الترقي في المعاني فدائم أبدا . فتعظيم جناب الحق دائم أبدا . وهي عبادة ذاتية عن تجلّ لا ينقطع ولا ينقطع مزيدها . وأما هذه العبادة التكليفية ( ف ) هي التي تسقط بسقوط التكليف .