مجموعة مؤلفين
15
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
6 - وقد أدركت بعد طول البحث والنظر أن لهذا الرجل مذهبا فلسفيا صوفيا جديرا بهذا الاسم ، وخليقا بأن يحتل مكانة عالية من بين المذاهب الفلسفية العالمية الكبرى ، فأخذت أستخلص عناصر هذا المذهب من بين أشتات من التفاصيل غير الفلسفية وغير الصوفية ، وأضم بعض هذه العناصر إلى بعض حتى ظهر لي بناء المذهب كاملا متماسكا مترابطا ، جامعا للمسائل الفلسفية الرئيسية التي هي مسائل الوجود والمعرفة والنفس ( الأنطولوجيا والأبستمولوجيا والسيكولوجيا ) . ووجدت أن هذه المسائل جميعها تدور في تفكير ابن عربى حول محور واحد هو فكرة وحدة الوجود : وهي فكرة استبدت بعقله واستولت على مشاعره ، فصدر عنها في كل ما يقول ، وعرج عليها في تفسير كل شئ ، وفي ضوئها أوّل القرآن والحديث وطوعهما لمذهبه . وخلاصة هذه الفكرة أن الحقيقة الوجودية واحدة في جوهرها ، متكثرة في صفاتها وأسمائها ، لا تعدد فيها إلا بالاعتبارات والنسب والإضافات . وهي قديمة أزلية لا تتغير وإن تغيرت الصور الوجودية التي تظهر فيها . فإذا نظرت إليها من حيث ذاتها قلت هي « الحق » ، وإن نظرت إليها من حيث مظاهرها قلت هي « الخلق » . فهي الحق والخلق ، والواحد والكثير ، والقديم والحادث ، والأول والآخر ، والظاهر والباطن وغير ذلك من المتناقضات ، ولكنها متناقضات لاختلاف الاعتبارات لا في الحقيقة . وقد قرر ابن عربى قضية وحدة الوجود هذه في صراحة وجرأة لا مواربة فيهما ، في كتابي « فصوص الحكم » و « الفتوحات الملكية » في مثل قوله : « فسبحان من أظهر الأشياء وهو عينها » فما نظرت عيني إلى غير وجهه * وما سمعت أذني خلاف كلامه » « 1 » ولا داعى لتأويل أقواله الدالة على وحدة الوجود ، وصرفها عن معانيها
--> ( 1 ) الفتوحات : ج 2 ، ص 604 س 5 من أسفل .