مجموعة مؤلفين
249
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
منها إلى العوالم الحسيّة ، وبالعكس ، اختيارا . فإنه إذا تحقق بالكمال الوسطى لا تقيده آفاق الوجود ، ولا تحصره . بل له أن يتحول إلى أىّ صورة شاء ، وينتقل إلى أىّ عالم أراد اختيارا . فإن حكم الوسط إلى سائر أطرافه على السواء . . . فله الاجتماعات الحسية والبرزخية بالأرواح ، بحسب المناسبات الحالية والمقامية والمرتبية ، ونحوها . فهو يستحضر الأرواح الفائقة عليه أو المساوية له رتبة ، في أىّ عالم شاء ، بحكم الالتماس ، بعد تقوية رقيقة المناسبة بينه وبينهم ؛ ويستحضر من دونه ( من الأرواح ) رتبة بحكم القسر . . . « وقال لي » ، يعنى الجنيد : « المعنى واحد . - فقلت له : » نعم ! في هذا المقام خاصة ، لا في كل مقام - « لا ترسله » ولا تطلق حكمه . « بل ذلك من وجه » دون وجه : فإن الظاهر والباطن في جنبة الحق واحد ، ويختلفان بنسبتهما من الحق إلى الخلق ، فإن نسبة الظاهر منه - تعالى : - إليهم غير نسبة الباطن . « فإن الإطلاق فيما لا يصح الإطلاق فيه يناقض الحقائق » . فإطلاق جانب الخلق ، من اختلاف الظاهر والباطن ، لا يصح ( منهم ) بل يناقض حقائقهم . إذ لكل حقيقة منهم ظاهر وباطن ، فإن أطلق جانبها منهم لم يكن للخلق حقائق مختلفة . فإطلاقهم عنها يناقض حقائقهم المقول عليها : « ولا يزالون مختلفين » - « ولذلك خلقوا » . « فقال : غيبه شهوده ، وشهوده غيبه » . - فاتبع بهذا قوله ( المتقدم ) : « المعنى واحد » ، ولم يخصص مدّعاه بذوق هذا التجلي . - « فقلت له : الشاهد شاهد أبدا » . فإن الحق الحاضر مع نفسه لم يتغير عن حضوره معها أبدا . - « وغيبه إضافة » . - أي بالنسبة والإضافة إلينا . كما نقول في الحق المتجلى في المراتب والمظاهر : إنه ، في عين كونه غيبا فيها ، مشهود فيها . - « والغيب » المحقق « غيب لا شهود فيه » أصلا : « لا تدركه الأبصار » ولا البصيرة . « وكون هذا الغيب محققا ومطلقا بالنسبة إلينا ، إذ لا شهود لنا فيه أبدا . وأما بالنسبة إلى الحق - تعالى ! - ( فهو ) بلا غيب أصلا ، إذ لا يصح أن