مجموعة مؤلفين

246

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

( - تعالى ! - ) أزالهم بما أحضرهم ، من الوجه الذي أحضرهم . وإذا تحقق العبد بذوق هذا التجلي ، علم حكم الحق - سبحانه ! - في كونه ظاهرا وهو باطن من ذلك الوجه الذي هو به ظاهر ! وكذلك حكم كونه أولا من الوجه الذي هو به آخر : لا بوجهين مختلفين ولا بنسبتين . وليس للعقل في هذا المشهد مجال . « وكذلك يعلم المتحقق بهذا المشهد كيف تضاف النسب إلى اللّه - تعالى ! - من عين واحدة ، لا من الوجوه المختلفة التي يحكم بها العقل في طوره . وهذا المشهد من مشاهد الطور الذي هو وراء طور العقل . وهذا المشهد هو مقام اتحاد الأحوال . « واجتمعت فيه بالجنيد - رحمه اللّه ! - . فقال لي : المعنى واحد . - فقلت له : ( المعنى واحد ) في هذا المقام خاصة ، لا في كل مقام : فلا ترسله مطلقا ، يا جنيد ! فإن الباطن والظاهر ، من حيث الحق ، واحد وأما من حيث الخلق فلا : فإن نسبة الظاهر ، من الحق إلى الخلق ، غير نسبة الباطن ؛ فلها دليلان مختلفان بالنظر إلى الخلق ، فلا يقال فيهما : إنهما واحد في كل مرتبة . ولهذا قلنا : « لا ترسله » ! « فقال الجنيد : غيبه شهوده ، وشهوده غيبه . - فقلت له : الشاهد شاهد أبدا ، وغيبه إضافة ؛ والغيب غيب لا شهود فيه . فشهود الحق - سبحانه ! - لنا إنما هو من ( ال ) غيب الإضافى ، وأما الغيب المحقق فلا شهود فيه أبدا ، وهو الغيب المطلق . ولو غاب عن اللّه - تعالى ! - شئ لغابت نفسه عنه ، لكن لا يصح أن يغيب عنه شئ فهو - سبحانه ! - يشهد نفسه لا كشهودنا : فإن الشهود والحجاب وجميع الأحكام ، في حقنا ، نسب وإضافات وأحكام مختلفة . وهو - سبحانه ! - أحدى الذات ، ليس فيه سواه ، ولا في سواه شئ منه . وإنما هذه ألسنة التعريف يطلقها العارفون للتوصيل والتقريب والتأنيس والتشويق . « وقوله - رضى اللّه عنه ! - : « لا تدركه الأبصار . . . »