مجموعة مؤلفين

236

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وإذا سئلت : ما هو المجلى الأكمل للتوحيد الشهودي ، الذي يفنى فيه وجود العبد المعنوي ، بل يتسامى إلى حظيرة الإطلاق السرمدي ؟ - أجبت : هي الصورة المحمدية ، في تجليها المطرد ، عبر الزمان والمكان ، في ذوات الورثة المحمديين ، الطاهرين المطهرين . وإذا سئلت : ما هي وسائل هذين التوحيدين وما هي شروطهما ؟ - أجبت : التوحيد الأول ، وسائله وشروطه : العزم والثبات والإيمان . والتوحيد الثاني ، وسائله وشروطه : الحب والهيمان ، النابعان من أعماق الجنان ، الصادران عن فرط العيان إذا التقى العينان والحقيقتان ! وأخيرا ، هناك لون خاص من التوحيد ظهر عند المتأخرين من الصوفية ( عند ابن عربى وأتباعه ) . واشتهر في تاريخ الفكر الإسلامي بعنوان : « التوحيد الوجودي » ، ويقصد من ذلك إدراك معين للوحدة الإلهية ، وتصور خاص لها في صعيد الوجود المطلق . وفي الحقيقة ، نحن لسنا هنا في ميدان الأذواق الصوفية ، والاختبارات الروحية ، بالمعنى الصحيح ، بل تجاه نظرية معقدة في طبيعة الوجود وشؤونه وأحكامه . ولكن ، إذا أمعنا النظر في هذا المذهب ، نرى أن اهتمام أصحابه بالموضوع لم يكن فكريا مجردا ، وإنما كان في صميمه اهتماما روحيا ودينيا . إن جل قصدهم في هذا الصدد هو إبراز الوحدة الإلهية في صفائها وكمالها ، ووضعها في النطاق الصحيح الخاص بها ، من حيث هي الموضوع الأسمى للإيمان والمعرفة والعبادة والمحبة . وإذن ، فمبدأ وحدة الألوهية في دائرة « الاتولوجيا » هو الذي دعا أنصار « التوحيد الوجودي » إلى الأخذ بفكرة وحدة الوجود في دائرة « الأنولوجيا » ، ومن ثم ، استطاعوا أن يميزوا بين ضربين من التوحيد : توحيد ألوهى ، وهو القول بوحدة الإله ؛ وتوحيد وجودي ، وهو القول بوحدة الوجود . وهم يقررون بصراحة أن التوحيد الأول لا يصح ولا يكمل إلّا بالثاني . . . إذ كل ثنائية في صعيد « الوجود المطلق » هي في الحقيقة ثنائية في صعيد « اللاهوت المقدس » . وإذا كان من المقطوع به أن ثمة وحدة