مجموعة مؤلفين

212

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

« قال ( من أثبت « المعدوم » شيئا ) إن الأمور الذاتية لا تنسب إلى الفاعل ، بل ما يعرض لها من الوجود والحصول ينسب إلى الفاعل . ونقول إن الفاعل ( أي اللّه ) إذا أراد إيجاد جوهر فلا بد أن يتميز الجوهر بحقيقته عن العرض حتى يتحقق القصد إليه بالإيجاد ، وإلا فالجوهر والعرض في العدم إذا كان لا يتميز أحدهما عن الثاني بأمر ما وحقيقة ما ؛ وذلك الأمر والحقيقة إذا لم يكن شيئا ثابتا ، لم يتجرد القصد إلى الجوهر دون العرض ، وإلى الحركة دون السكون ، والبياض دون السواد إلى غير ذلك . والتخصيص بالوجود إنما يتصور إذا كان المخصص معينا مميزا عند المخصص » « 1 » ونحن نستخلص من هذه النصوص الهامة القضايا الآتية ، ونخصها بالذكر لما لها من صدى في نظرية ابن عربى في « الأعيان الثانية » . وهذه القضايا هي : أولا : أن المعدوم « شئ » : أي أن المعقول الذي لم يتحقق وجوده بعد شئ له وجود في عالم آخر غير العالم الخارجي . ثانيا : أن « المعدوم » ذات وحقيقة وماهية لا يخلق اللّه ذاته ، وإنما يمنح الوجود لهذه الذات . ثالثا : أن المعدومات قديمة وأزلية لم تزل ولا تزال ، وأنها لا نهاية لها . رابعا : أن صفاتها الذاتية موجودة لها قبل وجودها الخارجي ؛ أما صفاتها التي تتبع وجودها فهذه تحيزها وقبولها الأعراض . ولكن ما الذي دعا المعتزلة إلى القول بهذه النظرية ؟ دعاهم إلى ذلك في نظرنا أمران : الأول : أنهم فرقوا - تحت تأثير الفلسفة الأرسطية - بين الماهية والوجود : أي بين الشئ من حيث هو حقيقة معقولة يمكن أن تتحقق في الخارج ، ويمكن ألا تتحقق ، وبين الشئ من حيث وجوده في العالم

--> ( 1 ) المرجع نفسه : ص 156 .