مجموعة مؤلفين
206
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
بعلمه أتقن الأشياء وأحكمها وبه حكم عليها كما شاء وحكمها ، علم الكليات على الإطلاق كما علم الجزئيات بإجماع من أهل النظر الصحيح واتفاق ، فهو عالم الغيب والشهادة فتعالى اللّه عما يشركون . فعال لما يريد ، فهو مريد الكائنات ، في عالم الأرض والسماوات لم تتعلق قدرته بشئ حتى أراده ، كما أنه لم يرده حتى علمه ، إذ يستحيل في العقل أن يريد ما لا يعلم أو يفعل المختار المتمكن من ترك ذلك الفعل ما لا يريد كما يستحيل أن توجد نسب هذه الحقائق في غير حي ، كما يستحيل أن تقوم الصفات بغير ذات موصوفة بها ، فما في الوجود طاعة ولا عصيان ، ولا ربح ولا خسران ، ولا عبد ولا حر ، ولا برد ولا حر ، ولا حياة ولا موت ، ولا حصر ولا فوت ، ولا نهار ولا ليل ، ولا اعتدال ولا ميل ، ولا بر ولا بحر ، ولا شفع ولا وتر ، ولا جوهر ولا عرض ، ولا صحة ولا مرض ، ولا فرح ولا ترح ، ولا روح ولا شبح ، ولا ظلام ولا ضياء ، ولا أرض ولا سماء ، ولا تركيب ولا تحليل ، ولا أكثر ولا أقل ، ولا غداة ولا أصيل ، ولا بياض ولا سواد ، ولا رقاد ولا سهاد ، ولا ظاهر ولا باطن ، ولا متحرك ولا ساكن ، ولا يابس ولا رطب ، ولا قشر ولا لب ، ولا شئ من هذه النسب المتضادات منها والمختلفات ، والمتماثلات ، إلا وهو مراد للحق تعالى ، وكيف لا يكون مرادا له وهو أوجده ، فكيف يوجد المختار ما لا يريد ؟ لا رادّ لأمره ، ولا معقّب لحكمه يؤتى الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ويذل من يشاء ، ويضل من يشاء ويهدى من يشاء ، وما شاء كان ، وما لم يشأ أن يكون لم يكن . لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئا لم يرد اللّه تعالى أن يريدوه ما أرادوه ، أو يفعلوا شيئا لم يرد اللّه تعالى إيجاده وأرادوه عندما أراد منهم أن يريدوه ما فعلوه ولا استطاعوا ذلك ، ولا أقدرهم عليه ، فالكفر والإيمان والطاعة والعصيان من مشيئتة وحكمه وإرادته ، ولم يزل سبحانه موصوفا بهذه الإرادة أزلا والعالم معدوم غير موجود وإن كان ثابتا في العلم في عينه » « 1 »
--> ( 1 ) انظر ص 36 من الجزء الأول من الفتوحات .