مجموعة مؤلفين
195
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
« وقد أمرنا اللّه بالعلم به وجعل الآيات دلائل لأولى الألباب ، ولكن بما هي دلائل عليها خاصة فلا يخلو الأمر في أمره إيانا بالعلم به ، هل نسلك في ذلك دلالة الشارع والوقوف عند أخباره تقليدا أو نسلك طريقة النظر فيكون معقولا ، أو نأخذ من دلائل العقل ما يثبت به عندنا كونه إلها ، ونأخذ من دلالة الشرع ما نضيفه إلى هذا الإله من الأسماء والأحكام فنكون مأمورين بالعلم به سبحانه شرعا وعقلا وهو الصحيح . فإن الشرع لا يثبت إلا بالعقل . ولو لم يكن كذلك لقال كل أحد في الحق ما شاء مما تحيله العقول وما لا تحيله . وهو لا يكتفى في شأن المتصوف باشتراط العلم النظري ، بل يرى أن الحكمة أو الفلسفة شرط أساسي للصوفى الكامل فيقول : « وشرط المنعوت بالتصوف أن يكون حكيما ذا حكمة ، وإن لم يكن فلاحظ له في هذا اللقب فإنه حكمة كله ، فإنه أخلاق ، وهي تحتاج إلى معرفة تامة ، وعقل راجح وحضور ، وتمكن قوى من نفسه حتى لا تحكم عليه الأغراض النفسية . . . والحكماء هم المقسطون « ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا » وما وصفه اللّه بالكثرة فإنّ القلة لا تدخله . وسبب وصفه بالكثرة أن الحكمة سارية في الموجودات لأن الموجودات وضع اللّه . ثم خلق الإنسان وحمله الأمانة بأن جعل له النظر في الموجودات ، والتصرف فيها بالأمانة ليؤدى إلى كل ذي حق حقه ، كما أنّ اللّه أعطى كل شئ خلقه . . والحكمة تناقض الجهل والظلم » « 1 » . وأكثر من ذلك أن هذا الإمام الدقيق المتعمق الواسع الثقافة لم يتركنا إلى البراهين الاستنباطية التي ندلل بها على بطلان هذه الفرية التي تجرؤ على القول بأنه لم يتثقف بالثقافة الواسعة التي كانت تحدق به ، بل نراه يصرح في وضوح
--> ( 1 ) انظر صفحتى 266 ، 267 من الجزء الثاني من الفتوحات المكية .