مجموعة مؤلفين

184

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

مولده ونشأته : ولد في يوم الاثنين السابع عشر من رمضان عام خمسمائة وستين هجرية الموافق 28 يولية سنة ألف ومائة وخمس وستين ميلادية في مدينة « مرسية » بالأندلس ، وهي مدينة أنشأها المسلمون في عهد بنى أمية . وكان أبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث ، ومن أعلام الزهد والتقوى والتصوف . وكان جده أحد قضاة الأندلس وعلمائها ، فنشأ نشأة تقيّة ورعة نقيّة من جميع الشوائب الشائبة . وهكذا درج محيي الدين في جو عامر بنور التقوى ، فيه سباق حر مشرق نحو الشرفات العليا للإيمان ، وفيه عزمات لرجال أقوياء ينشدون نصرا وفوزا في محاريب الهدى والطاعة . وانتقل والده إلى إشبيليه ، وحاكمها إذ ذاك السلطان محمد بن سعد ، وهي عاصمة من عواصم الحضارة والعلم في الأندلس ، وفيها شب محيي الدين ودرج . وما كاد لسانه يبين حتى دفع به والده إلى أبى بكر بن خلف عميد الفقهاء ، فقرأ عليه القرآن الكريم بالسبع في كتاب « الكافي » ، فما أتم العاشرة من عمره حتى كان مبرزا في القراءات ملهما في المعاني والإشارات ثم أسلمه والده إلى طائفة من رجال الحديث والفقه ، يذكرهم لنا الإمام شمس الدين بن مسدى في روايته عن محيي الدين فيقول واصفا متحدثا عن أساتذته الأول : « كان جميل الجملة والتفصيل ، محصلا لفنون العلم أخص تحصيل ، وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق ، والتقدم الذي لا يسبق ، سمع في بلاده في شبابه الباكر من ابن زرقون ، والحافظ بن الجد ، وأبى الوليد الحضرمي ، والشيخ أبى الحسن بن نصر » . ثم لا يذكر لنا التاريخ بعد ذلك شيئا ذا بال عن شباب محيي الدين ، ولا عن شيوخه ، ومقدار ما حصل من العلوم والفنون ؛ وإنما هو يحدثنا أنه مرض في شبابه مرضا شديدا . وفي أثناء شدة الحمى رأى في المنام أنه محوط بعدد ضخم من قوى الشر ، مسلحين يريدون الفتك به . وبغتة رأى شخصا جميلا قويا مشرق الوجه ، حمل على