مجموعة مؤلفين

172

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وضع الصوفية السعادة في قمة الحياة الروحية التي عاشوها ، فرأوا أنها تتحقق باتصال السالك بربه عن طريق حبه ، وصرح ابن عربى بأنها تقترن بوصول العبد إلى عين القرب من اللّه حتى يتحقق بوحدته الذاتية مع اللّه ، فيبدو له الوجود كله حقيقة واحده - هي اللّه من حيث هي علة لذاتها ، والعالم من حيث هو معلول لذاته ، والطريق إلى ذلك إنما يكون بالمجاهدة التي ترفع حجب الحس القائمة بين العبد وربه ، وهي عند ابن عربى حياة وعرة تقتضى احتمال مشقات نفسية وبدنية معا ، وتتطلب السالك انقطاعا للعبادة وتصفية النفس ، فالمريد يعتزل الناس في بدء سلوكه ، ويعمد في نهايته إلى الخلوة حتى يتحقق بالأنس . . وقد أدى هذا عامة إلى انسحاب الصوفي من الحياة العامة ، وانتهى بالسالك إلى النظر إلى الوجود كله من خلال ذاته ، والاكتفاء بسعادة سلبية باطنية تقوم في الفناء عن نفسه والبقاء باللّه وحده . ولعل هذا أن يذكرنا من بعض الوجوه بفلسفة الأخلاق عند الرواقية ومن ذهب مذهبهم من الأخلاقيين فقد وقفوا عند السعادة السلبية غاية قصوى لحياة الإنسان ، وإن لم يتجاوزوها - بحكم نزعتهم المادية - إلى حالات الاتصال باللّه والاستغراق في حبه على نحو ما فعل ابن عربى وغيره من الصوفية وقد جاهر الرواقية بأن الطريق إلى تحقيق السعادة هو مجاهدة النفس بقمع الشهوات ، ووأد الرغبات وإماتة الذات التماسا للهدوء الباطني وراحة البال وطمأنينة النفس ، وتأدى بهم الاعتقاد في هذه السعادة الذاتية السلبية إلى الانسحاب من الحياة العامة ، وإقامة الإنسان مركزا للكون قفامت فلسفتهم على انتشار الذات Anthropocentric والنظر إلى الوجود كله من خلالها وهذا هو تمركز الذات ego - centric « 1 » ، وإلى شئ قريب من هذا انتهى ابن عربى ومن ذهب مذهبه من صوفية الإسلام فيما يبدو .

--> ( 1 ) انظر في خصائص العصر الهلينستى كتابنا : الفلسفة الخلقية - نشأتها وتطورها ص 81 وما بعدها ( طبعة ثانية 1967 ) .