مجموعة مؤلفين

170

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

ارتفاع المسؤولية الخلقية عن المحب : رأينا كيف أن ابن عربى في ظل جبرتيه الصارمة التي تهيمن على الكون قد رفع المسؤولية الخلقية عن الإنسان ، ونريد أن نقف قليلا عند موقفه من تبعة العارف الفاني في حب اللّه ، لنعرف كيف جاهر ابن عربى بهدم مسئوليته عن أفعاله ، بحجة أنه مسلوب العقل فاقد القدرة على حرية الاختيار ، والمعروف أن التبعة لا تكون إلا مع توافر ركنيها مجتمعين : التعقل ، والحرية ، فلنقف لبيان هذا معتمدين على نصوصه : يعرض ابن عربى في فتوحاته « 1 » لبيان الصفات التي تضاف إلى المحب الفاني في حب اللّه فيقول إنه جاوز الحدود بعد حفظها ، شأنه في هذا شأن أهل بدر الذين غفر اللّه ذنوبهم وأباح لهم أن يفعلوا ما يشاءون ، ويزيد ابن عربى فيقول « إن حكم صاحب الحال حكم المجنون الذي ارتفع عنه القلم فلا يكتب لا له ولا عليه ، وهل يحاسب المجنون الذي فقد عقله على ما يأتي من أفعال ، أو يستحق من أجلها مديحا أو ملامة ؟ واللّه يعلم من عباده المحبين له أنهم غير مطالبين بالقيام بما كلفهم به ، فأسقط عنهم التكليف ، بل زاد فأباح لهم مجاوزة الحدود ! أي أحل لهم ما حرم على غيرهم ، وأذن لهم بأن يفعلوا ما يشاءون ! ويزيد هذا وضوحا فيقول إن المحب ، « مثل الدابة جرحه جبار « 2 » » ويفسر هذا بقصة يقول فيها إن خطافا في قبة سليمان قد راود خطافة كان يحبها ، فقال لها « لقد بلغ منى حبك أن لو قلت لي اهدم هذه القبة على سليمان لفعلت » ، وسمعه سليمان فاستدعاه ليحاسبه على ما قال ، فقال له الخطاف : لا تتعجل فإن للمحب لسانا لا ينطق به إلا المجنون وأنا أحب هذه الأنثى ولهذا قلت ما قلت ، والعشاق ليس عليهم حرج لأنهم ينطقون بلسان

--> ( 1 ) ابن عربى : الفتوحات المكية 2 : 357 - 59 . ( 2 ) أي إذا حرح أحدا ( عابه وتنقصه وشتمه ) كان هذا جبارا أي هدرا وبالتالي كان الجارح بريئا معفى من العقاب .