مجموعة مؤلفين
163
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
كونه ، وهو يتمثل في الأنبياء والأولياء بحقائقهم وليس بأشخاصهم ، وفي مقدمتهم النبي محمد ( بحقيقته وليس بشخصه ) فإن جميع الأنبياء يرثون العلم الباطني عن الحقيقة المحمدية لأنها مصدر كل وحى وكشف وإلهام « 1 » . أما كيف اجتمعت الصفات المحمدية في محمد صلى اللّه عليه وسلم فيقول ابن عربى في ذلك : « اعلم أن اللّه تعالى لما خلق الخلق خلقهم أصنافا ، وجعل في كل صنف خيارا ، واختار من الخيار خواص وهم المؤمنون ، واختار من المؤمنين خواص وهم الأولياء واختار من هؤلاء الخواص خلاصة وهم الأنبياء ، واختار الخلاصة النقاوة وهم أنبياء الشرائع المقصورة عليهم ، واختار من النقاوة شرذمة قليلة هم صفاء النقاوة المروقة وهم الرسل أجمعهم ، واصطفى واحدا من خلقه هو منهم وليس منهم ، هو المهيمن على جميع الخلائق جعله عمدا أقام عليه قبة الوجود ، وجعله أعلى المظاهر وأسناها ، صح له المقام تعيينا وتعريفا ، فعلمه قبل وجود طينة البشر وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم لا يكاثر ولا يقاوم ، وهو السيد ومن سواه سوقة « 2 » . . » محمد هو الإنسان الكامل بإطلاق ، يليه الأنبياء فالأولياء ، ولكل عصر إنسانه الكامل ، وقد جاهر ابن عربى بأنه إنسان عصره الكامل . وقد انتهى ابن عربى - كما انتهى كثيرون من الصوفية إلى وحدة الشهود التي تتحقق بالفناء الذي ينكشف فيه للسالك التوحيد بمعناه الصوفي ، بعد استغراق المحب في محبوبه وفنائه فيه حتى لا يرى غير اللّه ، ولكن الجديد في فلسفة ابن عربى نظريته في وحدة الوجود ، وقد ترتبت عليها نتائج يعنينا منها موقفه من المشكلة الأخلاقية . وقد عرض نظريته في فتوحاته وفصوصه بشئ كثير من التفصيل ، ومؤداها أن الوجود كله حقيقة واحدة ، وأن تمثل لحواسنا متكثرا في موجوداته الخارجية ، أو بدا لعقلنا ثنائيا يتألف من اللّه وعالم الأعيان ، إنه حقيقة واحدة
--> ( 1 ) ابن عربى فصوص الحكم : 1 - 50 ، 54 ؛ 2 : 3 و 37 - 9 و 142 . ( 2 ) ابن عربى : الفتوحات المكية 2 : 73 - 4