مجموعة مؤلفين
158
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
هذه المجاهدة تتمثل في حياة الزهد الذي يقترن بإرادة الحرمان من الدنيا ومباهجها ، والتصميم على الانصراف حتى عما أباحه الشرع منها ، وتجريد النفس من علائق البدن ، ومحاربة نوازعه الحسية ، أو التحقق بفضائل الطريق من فقر وقناعة وصبر ورضا ومحبة إلهية ، ومن أجل هذا اقتضت الاعتزال عن الناس والاختلاء ابتغاء الانقطاع لعبادة اللّه ، والانصراف عن الثرثرة التماسا لمزاولة الحياة الروحية ، وتحصيل العلم كشفا وإشراقا ، ويفرّق الغزالي بين الإلهام والتعليم ، في استكشاف الحق ، فيقول : إن الطريق يقوم على : « تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة ، وقطع العلائق كلها ، والإقبال بكنه الهمة على اللّه تعالى . . . وإذا تولى اللّه أمر القلب فاضت عليه الرحمة ، وأشرق النور في القلب ، وانشرح الصدر ، وانكشف له سر الملكوت . . . فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر ، وفاض على صدورهم النور ، لا بالتعلم والدراسة والكتابة للكتب ، بل بالزهد في الدنيا والتبري من علائقها وتفريغ القلب من شواغلها ، والإقبال بكنه الهمة على اللّه تعالى . . . » « 1 » . وبمثل هذا تتطهر النفس ، وتصفو مرآة القلب ويرتفع حجاب الحس ويتصل الإنسان بربه - أي بمحبوبه الأعظم - خلال مراحل هي المقامات - من توبة وقناعة وزهد وفقر وصبر . . . تقع أثناءها أحداث نفسية هي الأحوال - من فناء وبقاء ، صحو وسكر ، جمع وفرق . . . وتمثل المجاهدة الجانب الأخلاقي في حياة الصوفية ، وتتمثل في إيثار ما للّه على ما للنفس ، وتغليب مرضاته تعالى على الاستجابة لأهواء الذات ونزواتها ، وهي محاولة وعرة للتخلص من الصفات القبيحة ومحاسبة النفس على آثامها ، لأنها تبدأ بالتوبة التي تحرر السالك من قيود الشهوات ومغريات الرغبات حتى يفطم نفسه عن المألوفات ، ويصرفها حتى عن المباحات فيما أشرنا من قبل ، وبمقدار ما يكون زهد السالك في متع الدنيا ومباهجها ، يكون اقترابه من اللّه وإقباله على حبه وحرصه على مرضاته ، فالمجاهدة تستهدف إزالة العوائق التي
--> ( 1 ) الغزالي : الأحياء ج 3 ، ص 16 .