مجموعة مؤلفين
125
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
ولا نظن أن الغزالي قد اطمأن بهذا الجواب على تنزيه أبى مدين ، لأن هذا الجواب لا يشتمل على التنزيه الذي يرمى إليه الغزالي ، أي تنزيه اللّه عن مشابهة المخلوقات على أىّ نحو ، أما في كلام أبى مدين فعلى الرغم من محاولته التنزيه ، فإن كلامه لا يزال تشتم منه رائحة الاتحاد . ويعاود الغزالي السؤال للمرة الثالثة فيسأل أبا مدين عن حقيقة سرّه ، فقال أبو مدين « 1 » : « سرّى مسرور بأسرار تستمد من البحار الإلهية الأبدية الأزلية التي لا ينبغي كشفها ولا يجوز بثها لغير أهلها ، إذ العبارة والإشارة تعجز عن دركها ، وأبت الغيرة إلا سترها . هي البحار المحيطة بالوجود ، لا يلجها إلّا من وطنه مفقود ، وفي عالم الحقيقة بسرّه موجود . يتقلب بالحياة الأبدية ، وينطق بالعلوم الأزلية . فهو بجسمه ظاهر ، وبسرّ حقيقته ظافر . يطير في عالم الملكوت ، ويسرح في عالم الجبروت . تخلّق بالأسماء وبالصفات ، وفنى عنها بمشاهدة الذات . هناك قرارى ووطنى ، وقرّة عيني وسكنى . به دام فرحى ، وهو علانيتي وسرّى ، والممد لوجودى ، ومالكي ومعبودى . أظهر في وجودي قدرته ، ورتب في بدائع صنعه حكمته . فهو الباطن والظاهر ، الملك القاهر . فمن رقت همّته عن ملاحظة نفسه ، لم يلتفت إلى غده وأمسه ، وإنما هو ابن وقته بالحق سبحانه : تجرى عليه أفعاله وهو راض به مسرور ، إذ لم يكن شيئا مذكورا . فمن نزّه أقواله وأفعاله فقد صفى همتّه وأحواله . فمن كان نطقه به فيه يصول ، ومن كان هو دليله فقد نال الوصول . ومن حقق نظره به يسمع وبه يقول ، ويسأل به منه ، إذ الوجود كله فانى ، والباقي فيه المعاني . به كل شئ يعرف ، ولولاه لم يفهم ولم يوصف . فهو المظهر - سبحانه ! - للأكوان ، وسرّ السرائر ومظهر الإعلان » . وهو هنا أيضا يجول في نفس المعاني ، ولا يضيف إليها إلّا فكرة الاغتراب ، التي طالما رددها الصوفية قبله استنادا إلى حديث مشهور يقول :
--> ( 1 ) « محاضرة الأبرار » ، ج 1 ص 217 .