مجموعة مؤلفين

123

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

بالشخص الموضوع تحت تأثيره إلى أن يتصور بحسّه ما يوحى به المنوّم ولعل أبا مدين قد لقّن هذا الإيحاء التنويمى من هذا الفتى الصالح . وابن عربى في « محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار » يروى الكثير من الآراء والأقوال لأبى مدين . ويحرص كثيرا على ترديد رؤيا ينسبها إلى بعض الصالحين ، ولا يذكر اسمه ، مما يجعلنا نحسب أنها من كلام ابن عربى نفسه . في هذه الرؤيا رأى هذا الصالح أبا مدين وأبا حامد الغزالي وأبا طالب المكي صاحب « قوت القلوب » وأبا يزيد البسطامي ، وخلقا كثيرا من الصوفية ، وهؤلاء الأقطاب يسألون أبا مدين ويستزيدونه في أمهات مسائل التصوف . فأبو يزيد البسطامي يسأله عن التوحيد ، فيقول أبو مدين « 1 » : » التوحيد هو الحق ، ومنوّر القلب ، ومحرّك الظواهر ، وعلّام الغيوب . نظر العارفون فتاهوا إذ لم يعمر قلوبهم إلا هو ، فهم به والهون . قلوبهم تسرح في رضاه في الحضرة العلية ، وأسرارهم مما سواه فارغة خلية . جالت أسرارهم في الملكوت فلاحظوا عظمته ، وتجلى لقلوبهم فأنطقهم بحكمته . فهو للعارف ضياء ونور ، وقد أشغله به عن الجنّة والقصور . آنسه به فهو جليسه ، وأفناه عنه فتلاشى كثيفة ، فامتزج المعنى بالمعنى فكان هو . ذهبت الرسوم ، وفنيت العلوم ، ولم يبق إذ ذاك إلا الحىّ القيوم . وهو معنى المعاني ، والحي الباقي ، وكشف سرّ العارف ماذا يلاقى : من البرّ والإحسان ولذة النظر وغيبته عن الأغيار وعن جملة البشر . تنزه عن تنزيهه فنزهّه به ، وفنى عن الأكوان بمشاهدة ربّه ، فعدا عن الأسماء ، وسما عن الصفات ، واضمحلت كليته في مشاهدة الذات . هذه علوم وهذه أسرار ، يكاشف بها من هو لها مختار ، فينبتها في الوجود فيظهر ما عنده ، ويحيى بها القلوب ، وينجز له وعده ، فيرويها الحقّ بالماء الصافي ، ويعالج علّتها بالعلم الشافي فيبرأ بها من الأسقام ومن جملة العلل ، ويصلحها ويعلمها من الأسرار ما لم تكن تعلم . فعلم العارف موصول المعرفة ، فيظهر له الحق فيألف لمألوفه » .

--> ( 1 ) « محاضرة الأبرار » ج 1 ، ص 110 .