مجموعة مؤلفين
104
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
يوجه الشاعر خطابه إلى حادي العيس ألا يتعجل السير بالحبيبة حتى يلحق هو بالركب ، لأنه مضطر إلى المكث حينا ، فليمسك بالمطايا حتى لا تنطلق في سيرها ، فهو جاد في اللحاق بهم وإن تكن تحول دون ذلك العوائق ؛ ثم يوجه الشاعر ذلك الحادي بأن يقف في أيمن الوادي حيث خيام الأحبة ، الذين هم للشاعر كنفسه وكبده ، وإن الشاعر المحب ليعتزم اللحاق بالحبيبة الراحلة مهما يكن ثمة من صعاب ، وإلا فلا كان ذلك الهوى الذي يدعيه . فلكى نفهم هذا السياق على المعنى الصوفي ، نترجم « حادي العيس » إلى « الداعي إلى الحق » ، وتترجم « الحبيبة » إلى الحقائق الإلهية التي رحلت عن قلب الصوفي ، فيكون الخطاب معناه : لا تتعجلوا السير ، فإني مضطر إلى البقاء هنا إلى ساعة الأجل ، لأنى حبيس البدن ، وأما النفس فتريد العروج إلى السماء لولا ذلك القيد ، وإن ما قد خيم في الوادي المقدس هي المعارف الربانية التي يتعشقها كأنها له لب الحياة وجوهرها . على أن هذا التعادل في المعنى بين الظاهر والباطن ، لا ينفى قولنا بأن الشاعر قد قصد أول ما قصد إلى المعنى الغزلى الظاهر في كثير من قصائده ثم صرف الظاهر إلى باطن ، ويجدر في هذا المقام أن نشير إلى الذكر الصريح الذي ورد في بعض قصائده لحبيبته « النظام » - إما بالاسم أو بالوصف المحدد - كقوله في شطر بيت ( ص 84 ) « هي بنت العراق بنت إمامي » ؛ وكقوله ( ص 83 ) : طال شوقى لطفلة ذات نثر * ونظام ومنبر وبيان وفي شرحه لهذا البيت وردت هذه العبارة : « لغزنا هذه المعارف كلها خلف حجاب النظام بنت شيخنا العذراء البتول شيخة الحرمين وهي من العالمات المذكورات » . ومهما يكن من أمر هذا الديوان ، فهو غزير بشعره ، غنى بصوره ، مجنح بخياله ، مثقل بفكره وحكمته ، نابض بحرارة إيمانه ، فهو لقارئه متعة ودراسة وحياة .