مجموعة مؤلفين
89
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
كد الذهن ، ولقف العلاقات البعيدة بين الرمز وما يشير إليه ؛ وفيما يلي أمثلة للطرق المختلفة التي لجأ إليها ابن عربى في تأويل رموزه : ( أ ) الطريقة المجازية المألوفة في الشعر ، وذلك بأن يلتمس علاقة شبه واضحة بين المشبه والمشبه به ، أي بين المرموز إليه والرمز ، فمن المألوف في قراءة الشعر وفهمه أن نفهم من المطر - مثلا - كرم العطاء ، ومن الأسد شجاعة الشجاع ؛ وهذا التفسير المجازى كثير عند ابن عربى خصوصا حين تكون الشقة ضيقة بين المعنى الغزلى المباشر وبين المعنى الصوفي الباطن ؛ فنراه يرمز إلى الأرواح بالطير ؛ وإلى الطبيعة البدنية بالصخر ؛ وإلى الإنسان بعد كسبه للمعارف بالعود الذي أورق ، وبالبستان الذي أزهر وأينع ؛ وإلى حياة النعيم بالطنافس . ( ب ) الإشارة إلى التاريخ ، سواء أكان تاريخ الديانات أم تاريخ الأدب ، أم غير ذلك من سبل الإفادة بما يروى عن أحداث الماضي ؛ فها هنا تكفيه اللمحة السريعة ليترك للقارئ تكملة المادة من عنده ؛ فمن هذا القبيل ذكره للأنبياء وللكتب المنزلة ولأماكن العبادة ، وكذلك ذكره لقصص المحبين . والروايات التي تروى عن المتصوفة وما إلى ذلك . وهذه الإشارات قد تكون قريبة إلى الأذهان بادية الرابطة مع سياق الحديث ، وقد تكون بعيدة غير مرئية في وضوح ؛ فإذا قال - مثلا - عن محبوبته العابدة العالمة : قد أعجزت كل علّام بملتنا * وداوديا ، وحبرا ، ثم قسيسا ثم شرح هذه الإشارات التاريخية بقوله إنها تشير إلى الكتب الأربعة ، « فالعلام بملتنا » إشارة إلى القرآن ، و « الداودي » إشارة إلى الزبور و « الحبر » إشارة إلى التوراة ، و « القسيس » إشارة إلى الإنجيل ؛ بحيث يكون المعنى المجمل هو أن تلك المحبوبة العالمة قد ألمت بمحتوى هذه الكتب المنزلة جميعا ، فعندئذ تكون الإشارة مفهومة وواضحة ( ولنتذكر ما قاله ابن عربى في مقدمة الديوان عن محبوبته « النظام » من أنها « من العابدات العالمات . . . »