سهيلة عبد الباعث الترجمان
83
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
طاعة الخليفة ، وقد تحدث ابن عربي عن جولة تعليمية مع تلاميذه في بغداد ، كان يمشي محاطا بتلاميذه وأتباعه ، فتصادف أن مرّ الخليفة بالقرب منهم وهو راكب فرسه . فلم يبدأوه بالتحية بناء على إشارة من ابن عربي . بل انتظروا حتى يكون الخليفة هو البادئ بالسلام ، فردّوا سلامه باحترام . ومما يدل عليه موقفه هذا هو عدم الاكتراث بمنصب الخلافة بعد أن أفلتت السلطة الزمنية من أيدي الخلفاء . وفضلا عن هذا فإن ذلك الموقف إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على روح التمرّد المستتر التي كانت تشيع في نفس ابن عربي وسائر الصوفية ضد كل سلطة دينية رسمية « 1 » . ولا يقتصر الأمر على من عاصروه من تلاميذه فقط ، فهناك تلاميذ نالوا من العلم والمعرفة ما نالوه بفضل إطّلاعهم على كتب ابن عربي ومؤلفاته التي كتبها في كل علم وفن ، فكان لها تأثيرها الكبير على من تابعوا خطواته وأشهرهم عبد الكريم الجيلي ، وعبد الغني النابلسي والبكري وابن البيطار والجزائري وغيرهم ممن ساروا في خط ابن عربي ومدرسته . أعماله : لقد خلّف ابن عربي فيما خلّف من مصنفات تألف منها تراثه الروحي الضخم الرائع ، فأغنى الفكر الإسلامي بمؤلفاته التي لا تحد ولا تعد ، ولا تقف عند حد الظاهر والباطن ، لكثرتها ومبلغ اجتهاده في تصنيفها ، حيث التزم العزلة لكونه في حالة تجلي يلقى الإلهامات والتجليات ، وقد قال العماد فيه " برز منفردا مؤثرا للتجلي والانعزال عن الناس ما أمكنه ، حتى أنه لم يكن يجتمع به إلّا الأفراد « * » ، ثم آثر التأليف فبرزت عنه مؤلفات لا نهاية لها ، تدل على سعة باعه وتبحّره في العلوم الظاهرة والباطنة . وأنه بلغ مبلغ الاجتهاد في الاختراع والاستنباط ، وتأسيس القواعد والمقاصد التي لا يدريها ولا يحيط بها إلّا من طالعها بحقها . غير أنه وقع له في بعض تصانيفه كلمات كثيرة أشكلت ظواهرها ، وكانت سببا لإعراض كثيرين عنها ممن لم يحسنوا الظنّ به ، ولم
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 38 ، ( انظر بلاثيوس ، مرجع سابق ، ص 69 - 70 ) . ( * ) الأفراد ، الرجال الخارجين عن نظر القطب ( معجم اصطلاحات الصوفية ، تحقيق الجابي ، ص 56 ) .