سهيلة عبد الباعث الترجمان
807
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
كنا نجد الجيلي يعتمد النقل والتشريع لتأييد كلامه فذلك لأجل المخاطب لا لأجله هو لأنه متحقق بالكشف والشهود ، ولذلك يقول " فغيبنا هو شهادتنا ، وشهادتنا هو غيبنا ، ولم نذكر هذا التأييد النقلي إلا لأجل المخاطب لا لأجل أنّا وجدنا هذا الكشف بهذا التأييد " « 1 » . ولما كان الصوفي يدرك المعارف الإلهية على شمولها وتعددها ذوقا وكشفا ، فلا ضير إذن أن يلمّ بعلوم غيره من أصحاب الفكر والنظر وذلك لانكشاف مغاليق معانيها . وليس اطّلاعه على الفلسفة وآراء الفلاسفة هو من باب الأخذ بها بل للعلم بها والاطّلاع عليها فقط . فمعرفة الجيلي لأفلاطون مثلا ليست هي من حيث معرفة الفيلسوف بأفكاره المتعالية عن واقع البشر ، إنما هي معرفة به كأفلاطون الإلهي الذي عده قطب الزمان وواحد الأوان ، ولا يخلو كلامه عن أرسطو أيضا والإسكندر وغيرهم من أن يكون رمزا لبعض أفكار واردة لديه عن الذين يشربون من ماء الحياة ، ويتلقون العلم عن الخضر . وما استخدام الجيلي لبعض المصطلحات الفلسفية الشائعة في عصره أيضا إلا من حيث أنها لغة متعارف عليها في عصره ، وليس استخدامه لها على نحو ما استخدمها الفلاسفة ، إنما هو على محمل آخر غير ما هي عليه معروفة ومتداولة بين المتفلسفين كقوله بالهيولى دلالة على أن الاسم اللّه هو هيولى كمال صور المعاني الإلهية ، وكذلك قوله بالاستقصات والعقل الأول والعقل الكلي وغيرها ، فهي عنده ذات دلالة مغايرة للمعنى الفلسفي لدى أصحاب الفكر منهم . لذلك نرى الجيلي كثير الاعتداد بنفسه ، إذ كثيرا ما أشار إلى أصالة وجديّة لم تتحقق لغيره ، ويسوق أمورا لم يسبقه إليها أحد من قبل وفاتهم إدراكها على الوجه الذي يدركها هو عليه حيث يقول : ولا بد لنا من التنزل بالكلام على قدر العبارة المصطلحة عند الصوفية ، ونجعل موضع الحاجة فيها موشحا بين الكلام ليسهل فهمه على الناظر فيه ، وسأنّبه على أسرار لم يضعها وأضع علم في كتاب من أمر ما يتعلق بمعرفة الحق تعالى ومعرفة العالم الملكي والملكوتي موضحا به ألغاز الموجود ، كاشفا به الرمز المعقود سالكا في ذلك طريقة بين الكتم والإفشاء ، مترجما به عن النثر والإنشاء ،
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، المقدمة ، ص . ص 5 - 6 .