سهيلة عبد الباعث الترجمان
782
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
المستشرقين أن دانتي تأثر بابن عربي حين نظم الكوميديا الإلهية ، فبدت آثار المشابهة بينهما كبيرة في الصورة والأمثال والاصطلاحات والأساليب الفنية . فهل كان ذلك عن طريق توارد الخواطر أم عن طريق النقل والمحاكاة ؟ فاللّه عند كليهما نور ، وتجلي هذا النور موصوف بنفس التشابيه والمجازات ، كذلك مثل الدائرة ومركزها لإظهار علاقة الخلق بالخالق ، فهذه تظهر في الكوميديا الإلهية . كما نسج دانتي على منوال ابن عربي في خواص الأرقام ، كذلك في أمر اختلاط الشعر بالنثر ، فإن دانتي يقابله في ذلك ، وقد بيّن رغبة في شرح قصائده في الحب كما فعل ابن عربي في شرح قصائد ترجمان الأشواق ، وربما يعود هذا الأمر إلى حرص المستشرقين على تعقب الأصول الفكرية مما حملهم على تجسيم قوة ابن عربي في سيطرتها على دانتي « 1 » . إضافة إلى ذلك فإن لابن عربي منزلة عظيمة في أوساط المستشرقين ، وما كتب عنه في دوائر المعارف ، وخاصة في دائرة المعارف الإسلامية يشهد بعظمته عندهم . فهو من عظماء الرجال الذين لا يمكن نكرانهم ، فقد شغل الناس في عصره وبعد عصره ، وكان النصارى في مختلف الأقطار الإيطالية والفرنسية والإسبانية يتشوقون إلى المعارف الإسلامية لأنها في الأغلب تمس المسائل الميتافيزيقية حيث كانت هذه المسائل هي محور المجادلات في الكنائس والأديرة « 2 » . وإذا شئنا أن نعتبر عبد الكريم الجيلي من تلاميذ ابن عربي ، فنجد أن له صلة كبيرة به ، فقد تابعه في مذهبه ، وقال بوحدة الوجود موضحا المعنى المقصود منها بصراحة أكثر ، ويعتبر أيضا من شراح ابن عربي حيث شرح له فصول من الفتوحات المكية ، وكتاب الإسفار عن رسالة الأنوار ، وكان مؤيدا لأفكاره فيها . كذلك له كتب أصلية ، فقد وضع الكثير من الكتب التي تضمنت أخصّ أفكاره ، عالج فيها مختلف المسائل والقضايا الصوفية كابن عربي ، كما تابع خطواته في كثير غيرها حتى غدا كتلميذ مباشر له مع فارق الزمن الفاصل بينهما . ورغم هذه التبعية لابن عربي لم يكن الجيلي مقلدا له ، وإنما هو مجدد لكثير من الأفكار التي وردت لدى ابن عربي وغيره من الصوفية الذين تناولوا فكرة وحدة الوجود .
--> ( 1 ) مبارك ( زكي ) ، التصوف الإسلامي في الآدب ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 173 وما بعدها . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 175 .