سهيلة عبد الباعث الترجمان

769

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

عند نزول هازم اللّذات " « 1 » فهذا الطريق الذي حدده الجيلي وأشار إليه فإنه يؤدي بالضرورة إلى ما يبغيه الصوفي من المعرفة القلبية والكشف وتذوق الحقيقة ، وذلك بتهيئة القلب لحلول العلم اللدنّي فيه عند حصول النفحات الإلهية ، والتحقق بالكمال الموصل إلى نيل الكرامات . وبالرغم من تباعد الزمن بين الشيخين فقد جمعت بينهما حقيقة واحدة هي حقيقة التوحيد ، كذلك فقد وحدّ بينهما ما اتّهما به زورا من التفلسف وصبغ التصوف بصبغة الفلسفة والجمع بين الفكر والنظر ، كذلك ما رميا به من تهمة الكفر والإلحاد والزندقة . كل هذا التجنّي دفع بهما إلى إنكار موقف هؤلاء المتجنبين عليهما ونفي أقوالهم ورد تهمهم وذلك بإيراد الأقوال والأفكار المبينة لحالهما والموضحة لشأنهما . فمن هذا ما ورد في رسالة ابن عربي إلى الإمام الرازي بقوله : " إن الرجل لا يكمل في مقام العلم حتى يكون علمه عن اللّه تعالى عز وجلّ بلا واسطة من نقل أو شيخ . . . فلا علم إلّا ما كان عن كشف وشهود لا عن فكر وظن " « 2 » . كذلك ذهب الجيلي في هذا الاتجاه فقال " إن إدراك الذات العليّة هو بطريق الكشف الذي هو فوق العلم ومن قبيل الذوق " « 3 » . فالقولان يهدفان إلى معنى واحد وإلى غاية واحدة ، واضحة المعالم لا لبس فيها ولا تناقض ، وهي العلم الذوقي الكشفي البعيد عن كل أثر عقلي أو فكر نظري . وبالرغم من موقفهما الصريح فيما أشاروا به من القول الصحيح فقد نظر البعض إليها نظرة شك ومكابرة ، واعتبروا أن كل ما جاءا به من أقوال في المعرفة للحقيقة الوجودية ، وما تحققا به من العلوم الإلهية إن هو إلّا فلسفة صوفية امتزجت فيه المعرفة الصوفية بالأنظار العقلية وذلك رغم ما بنيت عليه من الكشف الصريح والذوق الرفيع . وبذلك جعلوهم من زمرة المتفلسفة من الصوفية « 4 » رغم ما أورده الشيخان من إشارات ودلالات تفنّد هذه الأقوال وتبطلها وتبين خطأها . وقد أكد هذا الأمر المستشرق

--> ( 1 ) الجيلي ، شرح رسالة الإسفار ، ص 37 . ( 2 ) ابن عربي ، رسالة إلى الإمام الرازي ، ص 14 . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 21 . ( 4 ) التفتازاني ( أبو الوفا ) ، مرجع سابق ، ص 165 .