سهيلة عبد الباعث الترجمان
767
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أولا : أوجه الاتفاق والاختلاف بين ابن عربي والجيلي : يتضح لنا بعد هذا العرض الشامل للجانب الروحي لدى كل من ابن عربي والجيلي أن الحياة الصوفية لا ينقطع لها معين ، لقيامها على الروح التي تتعلق بالحقيقة الإلهية التي هي أساس الوجود ، وهي امتداد لحياة النبي الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم وصحابته وإرث نبوي لمن اقتدى به وتبعه وأخذ عنه ، فيكون على قدمه ويتحقق بعلومه ويسمو بكماله ، فيصبح من حماة الدين وبناته ، لا يخالف له كتابا ولا سنة ، ويدعو إلى الصواب والتمسك بهما لتحصل له النجاة بفضل رب العباد . هكذا كان شأن الشيخان محي الدين بن عربي وعبد الكريم الجيلي . فقد تحققا بالكمال المعرفي ، ونالا العلم الوهبي اللدنّي ، فتركا أثرا كبيرا في صوفيّة القرون التي أعقبتهم ، وأغدقوا عليهم من علومهم مؤلفاتهم ما أناروا به قلوبهم وأرواحهم ، وقد برز العديد من هؤلاء الرجال الذين يضيق عن ذكرهم المكان ولا يحصيهم الزمان ، فكانوا رمزا للعلم الإلهي الخالص من كل شائبة ، ولسان صدق في كل نائبة ، لذا فإننا نشير إلى بعضهم ممن اقتدوا بهما ، وأخذوا عنهما ، وتمسكوا بآرائهما وأفكارهما ، ونخص بالذكر من هؤلاء : عبد الغني النابلسي ، مصطفى بن كمال الدين البكري ، والأمير عبد القادر الجزائري والشيخ حسن رضوان وآخرين نأتي على ذكرهم . ولا بد لنا من أن نبيّن الهدف الذي سعينا إليه في الجمع بين هاتين الشخصيتين الصوفيتين أعني ابن عربي والجيلي اللذان عاشا في عصرين مختلفين ، فقد وحّد بينهما المذهب والمنهج ، والرؤية الواحدة ، فقد خاضا في خضمّ بحر واحد وهو " التوحيد " وهدفهما واحد وهو رؤية الوجود الواحد الحق الذي يقوم به كل موجود ، وانتهيا إلى غاية واحدة هي وحدة الشهود التي تجلّت عليهما فيها الذات بأسمائها وصفاتها ، وقد وصلا إلى تحقيق ذلك بفضل رياضتهما الروحية ومجاهدتهما النفسية ، فحققا بذلك تطهير النفس وصفاء القلب ، فاشتعلت جذوة النور التي أضاءت معالم حياتهما ، ولهذا نرى أنه يجب أن يتلمس معنى التصوف في حياة الصوفية لا في منطقهم . ففي الحياة الصوفية وحدها يعرف الصوفي الحقيقة الوجودية في ذاتها ، ويحدد صلته بها ، وذلك