سهيلة عبد الباعث الترجمان

762

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

تاما بحيث لا يشهد السالك إلّا ذاتا واحدة هي ذات اللّه التي فنيت فيها كل الذوات ، وهذا لا يتم إلّا إذا كشف عن القلب حجاب الحس ، وفنى العبد عن علائق النفس ، وأصبح في حالة من السمو الروحاني ، يستطيع أن يشهد به شهودا ذوقيا للذات الإلهية المطلقة عن كل قيد ، المنزهة عن كل تعين ، وهذا هو التوحيد للذات الإلهية بنفي كل تكثر أو تعدد فيها ، الأمر الذي يجعل مذهبه في وحدة الوجود ينتهي به من خلال نظرته هذه إلى وحدة شهودية للذات الإلهية ، فلا يشهد إلا الذات وكل ما عداها وهم وخيال لا وجود له على الحقيقة إلّا في الحس . وليست هذه التجليات سوى تجليات الأسماء والصفات ، ومصدرها لدى الجيلي هو الحب الإلهي الذي يفنى فيه العبد عن نفسه وعن كل ما هو خارج عنه ويبقى في اللّه حيث أقامه اللّه في مقام شهد فيه حقيقة الذات الإلهية واحدة لا كثرة تخالطها ، فكان أن قامت الوحدة عنده على أساس المشاهدة التي تشهد الحق وحده ، وكانت نظريته بذلك أبعد ما تكون عن وحدة الوجود العقلية التي تلتزم منهجا معينا خاصا ولها غاية معينة تقول برد الوجود إلى عقل واحد ، أو وحدة الوجود الفلسفية التي تحاول تفسير الكون وعلاقته بالوجود على أساس النظرية الفلسفية كما هو الحال لدى اسبينوزا وأمثاله فيغلب عليها الجانب المادي أو وحدة الوجود الدينية كما هي في الديانات الشرقية القديمة في الهند كالقيدانتا مثلا « 1 » . ومن هنا كانت تسمية مذهب الجيلي " بوحدة الوجود " التي أطلقها ابن تيمية ( ت 728 ه ) جزافا على أهل الوحدة ومنهم ابن عربي أيضا ليست صحيحة . كذلك تسمية المذهب " بالوحدة المطلقة " كما جاءت في مقدمة ابن خلدون ( ت 807 ه ) والتي لم يشر إليها الجيلي كذلك ، ذلك أن مبحثه في الوحدة يدور حول إثبات واحدية الحق تعالى ونفي وجود الخلق معه ، فلا يثبت غيره معه ، فكانت تسميتها بوحدة الوجود لا تستوعب نظريته بكاملها ، وهي بعيدة عما يقوم عليه مفهومه لوحدة الوجود تماما . ويبرر الصوفية قولهم بوحدة الوجود حيث يشيرون أنه نتيجة الفتح الرباني الكبير ، لذا يؤيدون ذلك بالقول : " أن كل من فتح اللّه عليه الفتح الكبير لا بد له من القول بوحدة الوجود ذوقا وشهودا ، خلافا لجميع العبّاد والزهّاد ولعلماء الرسوم فإنهم لا يقولون بذلك

--> ( 1 ) زيدان ( يوسف ) ، الفكر الصوفي عند عبد الكريم الجيلي ، ص 180 .