سهيلة عبد الباعث الترجمان

756

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الموجودات ، بل في كل معنى وصورة وحكم وروح وجسم إلى غير ذلك مما يعلم ويشهد ، لم تعرف نفسك ، ومتى لم تعرف نفسك لم تعرف ربك ، فمعرفتك للوجود أنه الحق تعالى كالصورة للمعنى أو كالجسم للروح ، شهدت المراد ، فإنك إذا شهدت أن الوجود مظهر فالحق تعالى ظاهر فيه ، يرتقي إلى شهود الحق تعالى نفسه بنفسه في مظاهره ، وبهذا الشهود ترتقي إلى وجوده فيك بك منك ، وبهذا الوجود تعرف نفسك أي بالألوهية الكبرى ، فتتجلى صفاتك في باطنك إلى ظاهرك ، وبهذا التجلي تعرف ربك الذي هو عين نفسك ، فتكون ممن عرف نفسه بأنه ربه ، فعرف ربه بأنه نفسه ، وبهذه المعرفة تعطي كل صفة من صفاتك في ألوهيتك حقها حال كونك متحققا بساير الأسماء الكمالية والصفات الجمالية والجلالية والمراتب الحقية والخلقية . . . " « 1 » . ولما كان ذلك كذلك فإن دوام المشاهدة للوحدة الإلهية يوصل إلى التحقق بالكمالات الإلهية لذلك فلا بد من التزام ذلك كي يصل العبد إلى الكمال الإلهي ويدركه عيانا فقال : " ومن ألزم نفسه على الدوام شهود صورة علمه في اللّه ، فعن قليل يحظى بمشاهدة العيان للكمال الإلهي من غير نسبة علم اليقين من عين اليقين كنسبة طلوع الفجر من الإسفرار إلى بياض الصبح وضوء النهار ، ونسبة حق اليقين من حقيقة اليقين تحققا من غير لبس كنسبة ضياء النهار ، ونسبة حق اليقين من حقيقة اليقين تحققا من غير لبس كنسبة ضياء النهار إلى قرص الشمس ، وبعض الأمر متصل ببعض . . . " « 2 » . وعليه يمكننا القول أن المعرفة للوجود ليست سوى شهود أو مشاهدة ذوقية كشفية لكل الوجود ، فيكون الوجود بما فيه من جوانب حقية وخلقية مشهودا دون أي نصيب للعقل في ذلك بل إن القلب هو مركز الإدراك والمعرفة . وهذا ما دفع الجيلي إلى القول بأن الوجود لم يعرفه إلّا رجلان : رجل شهد العالم مظهرا ، والحق تعالى باطن فيه ، ورجل آخر شهد الحق تعالى مظهرا والعالم هو الظاهر فيه . فكان الوجود بذلك مشهودا والمشاهد لا يرى إلا الحق بالخلق أو الخلق بالحق ، وهذا عنده على سبيل

--> ( 1 ) الجيلي ، حقيقة اليقين ، ورقة 5 ، ص أ . ( 2 ) الجيلي ، نسيم السحر ، ص . ص 30 - 31 .