سهيلة عبد الباعث الترجمان

66

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

أثناء مروره بالقاهرة ، والتي اشتدت فيما بعد حتى حرضت الناس على عدم مطالعة كتبه وقراءتها ، بل ونادت بإحراقها ، وقد وصفه القاريّ بما يتفق وصفاته وأخلاقه فقال : " كان رضي اللّه عنه شيخا جليلا عالي القدر واسع الصدر ، متمكنا من العلوم الشرعية ، راسخا في أسرار المعارف الحقيقية ، وفي سائر العلوم التي حارت فيها الأفهام والحلوم . . . لم يكن في عصره من يوازيه ، ولا في دهره من يدانيه ، وكان في عصره من العلماء الأبرار والمتكلمين النظّار ، والفقهاء الأحبار ، والمشايخ الكبار ما لم يوجد في عصر من الأعصار ، وكلهم أقرّوا بعلمه ، واعترفوا بفضله ، وما بلغنا أن أحدا من فقهاء دهره وعلماء عصره اعترض عليه ، بل كانوا يرحلون من أقاصي البلاد إليه إذ ما من فنّ من فنون العلم المنقول منها والمعقول إلا وكان إماما فيه ، ومقتدى أهله وطالبيه ، وكانت القضاة والملوك في خدمته ، وأهل التصوف والسلوك يسيرون بسيرته « 1 » ، وقد بلغ الشيخ الأكبر لدى الملوك والأمراء منزلة عالية ، وصل إليها بالزهد ، وقد ورد عن الصوفية هذه الحكمة الخالدة : إزهد فيما أيدي الناس يحبك الناس . كذلك فقد وجد الملوك في ابن عربي نموذجا فريدا غير ما كانوا يرونه بالعلماء والفقهاء ، ففي الوقت الذي يتنافس فيه هؤلاء للتقرب من أولي الأمر وأصحاب السلطة طمعا فيما ينالونه من مغانم مادية أو أدبية ، كان هو ينفر من ذلك ، وقد وطّد نفسه على الفرار من كل قيد يقيد حريته ، لذا فقد نال الحظوة لدى الملوك والسلاطين ، وحقق منزلة رفيعة لدى هؤلاء جميعا . لم يكن كيكاوس وحده هو الذي كرّم ابن عربي ، بل إن سلاطين آخرين للممالك التي انقسمت إليها مملكة صلاح الدين غمروه بفضلهم ، ومن بين هؤلاء الملك الظاهر غازي « * » صاحب مدينة حلب حتى سنة 613 ه ، قد ظل واضعا ثقته في

--> ( 1 ) القاري البغدادي ، الدر الثمين ، مصدر سابق ، ص 24 . ( * ) غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب حلب كان مولده بمصر في نصف رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة ( 568 ) وتوفي عن 44 سنة وشهورا كانت مدة ملكه لحلب من حين وهبها له أبوه 31 سنة ( أبو الفداء ، الجزء السادس ، ص 12 ) .