سهيلة عبد الباعث الترجمان
712
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
بأنها مجبورة . وإذا كان هذا هو شأن الإرادة الإلهية ، فما هو شأن الإرادة الإنسانية ، وما علاقتها بالإرادة الإلهية ؟ يشعرنا الجيلي في كثير من المواضع في مصنفاته بأنه يقول بالجبر ، وهذا ما يظهر في حديثه عن " الفناء " « * » أي فناء الإرادة الإنسانية في الإرادة الإلهية ، كما يتحدث عن نفي الفعل عن العبد وإثباته للحق ، وسلب الحول والقوة والإرادة وما إليها من الأمور التي تظهر خضوع العبد للإرادة الإلهية فيقول : " إن تجلي الحق سبحانه وتعالى في أفعاله عبارة عن مشهد يرى فيه العبد جريان القدرة في الأشياء ، فيشهده سبحانه وتعالى محرّكها ومسكّنها ، بنفي الفعل عن العبد وإثباته للحق ، والعبد في هذا المشهد مسلوب الحول والقوة والإرادة . والناس في هذا المشهد على أنواع : فمنهم من يشهده الحق إرادته أولا ، ثم يشهده الفعل ثانيا ، فيكون العبد في هذا المشهد مسلوب الحول والفعل والإرادة ، وهو أعلى مشاهد تجليات الأفعال ، ومنهم من يشهده الحق إرادته ، ولكن يشهده تصرفاته في المخلوقات وجريانها تحت سلطان قدرته ، ومنهم من يرى الأمر عند صدور الفعل من المخلوق فيرجع إلى الحق " « 1 » ولا يعدو أن يكون هذا كله عند الجيلي مشهدا ذوقيا ، يغيب فيه السالك عن شهود إرادته ، ولكن ذلك لا يقضي بنفي الإرادة كما عند الجبريين . وقد يفهم من قول الجيلي بنفي الإرادة الإنسانية أنه جبري ، لذا حاول تبرئة نفسه من تهمة الجبرية لما في ذلك من مخالفة للعقيدة الصحيحة . فليس فناء إرادة العبد في إرادة اللّه سوى مظهر للطاعة أو الخضوع للمشيئة الإلهية فقط ، وليس هو نفي للإرادة على الحقيقة ، وقد أشار إلى ذلك في عينيته فقال :
--> ( * ) الفناء : يقول الجيلي : الفناء هو عبارة عن عدم الشعور باستيلاء حكم الذهول عليه ، ففناؤه عن نفسه عدم شعور به ، وفناؤه عن محبوبه باستهلاكه فيه ، ( الإنسان الكامل ) ، الجزء الأول ، ص 57 ) ، كما يقول : هو نسبة تزول ، وهو نعت كياني لا مدخل له في حضرة الحق ، وكل نعت ينسب إلى الجنابين فهو أتم وأعلى من النعت المخصوص بالجناب الكوني إلّا العبودية ، ( شرح الإسفار ، ص 55 ) ، أما في اصطلاح القوم : هو عبارة عن عدم شعور الشخص بنفسه ولا بشيء من لوازمها ، ( الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 57 ) . ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 39 .