سهيلة عبد الباعث الترجمان

706

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

يسايره في بقائه " « 1 » . بل ويؤكد الجيلي على موقفه هذا لما ناله من معرفته كشفا فقال : " وهذا الحكم ولو أنزلناه في هذا الكلام بعبارة معقولة ، فإنا شهدناه كشفا وعيانا ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " « 2 » وهكذا فأبد الحق سبحانه وتعالى أبد الآباد كما أن أزله أزل الآزال لا مجال لمشاركة المحدث فيها ، فأزله عين أبده ، وأبده عين أزله ، فلا قدم للخلق في مشاركة الحق بهذه الصفات . وهذا يعني انقطاع الطرفين الإضافيين عنه لينفرد بالبقاء بذاته وكونه قبل " فالأزل والأبد للّه وصفان أظهرتهما الإضافة الزمانية لتعقل وجوب وجوده ، وإلّا فلا أزل ولا أبد ، كان اللّه ولا شيء معه ، فلا وقت له سوى الأزل الذي هو الأبد الذي هو حكم وجوده باعتبار عدم مرور الزمان عليه وانقطاع حكم الزمان دون التطاول إلى مساير بقائه ، فبقاؤه الذي ينقطع الزمان دون مسايرته هو الأبد " « 3 » . وجملة القول أن الجيلي لم يتقيد بالزمان في حق الحق ، بل نفى عنه ذلك لأنه يستحيل عليه تعالى أن يتقيد بمثل ذلك ، وليس ترتيب المراتب الوجودية وورودها مقيدة بالزمان إلّا من وصف الأوهام فقط . ويحدد النابلسي المراتب الوجودية التي لا تخضع للزمان كما رآها الجيلي وهي : مرتبة الوحدة ، ومرتبة الحقيقة المحمدية ومرتبة الحقيقة الإنسانية ، فهذه المراتب الثلاث القديمة المرتّبة عقلا وشرعا ومعرفة ليس في تقديمها وتأخيرها زمان ، لأنه يستحيل عليه تعالى أن يتقيد بالزمان ، إنما الترتيب المعقول هو ترتيب في العقول وذلك باعتبار الأفهام ، والتقديم والتأخير من وصف الأوهام ، لا حقيقة الأمر الخارج عن مدارك الأنام « 4 » . وهكذا فإن مذهب الجيلي في الوحدة المطلقة لا يحتمل القول بالزمان والمكان ولا التقييد به لأن ذلك محال في حقه تعالى ، وقد ساير فيه صوفية أهل وحدة الوجود والإمام الغزالي في رده على الفلاسفة في قولهم بوحدة الزمان .

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 72 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 72 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 72 . ( 4 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، شرح التحفة المرسلة ، للشيخ رسلان ، مصدر سابق ، ص 16 .